التكمله
لقد كان بداخل الصندوق جثة محنطة لرجل لم نعرفه ولم نشاهده من قبل، وكانت تنبعث رائحة كريهة ومنتنة، ومن شدة الخوف تركنا باب الصندوق فجأة فانغلق بقوة وأصدر صوتاً، فسمعنا مواء القطط في الخارج، ثم خطوات أقدام آتية إلينا، فاختبأنا خلف بعض الألواح والطاولات المتراصة هناك..
سمعنا باب القبو يُفتح، ثم رأينا ظل إنسان يدخل إلى الداخل، فإذ بها العجوز ومعها قططها السوداء، وكانت تحمل طعاما بيدها، ذهبت إلى التابوت وفتحته، ثم أخذت ملعقة من الطعام وقدمتها إلى الجثة وهي تقول: "كل يا عزيزي هذا عشاء أعددته لك، فلا بد إنك جائع" ظلت تتوسله أن يأكل وهي تدس الطعام في فمه، ثم قالت: "يا لك من عنيد فأنت لم تذق طعاماً منذ 27 عاماً".
أغلقت التابوت وهمت بالخروج وقططها تتبعها، وحين كادت تقفل الباب وراءها، كان صديقي على وشك أن يعطس، كنت أرى فاه ينفتح ويشفط الهواء استعداداً للعطس، وأنا أقول في نفسي "هذا ليس وقته" فوضعت يدي على فمه لأكتم صوته، لكنه رغم ذلك أصدر صوتاً لفت انتباه العجوز فعادت إلى القبو..
كانت تنزل الدرج وتجول بنظرها، فأخذت منجلاً كان معلقاً بالجدار وبدأت تفتش المكان، همست لصديقي سنهرب الآن.. قفزنا من مكاننا واتجهنا هاربين نحو الباب، لكن العجوز تمكنت من صديقي بعد أن رمته بالمنجل فتعثر، وأنا نجحت في الخروج من القبو، فتتبعتني تركض خلفي لتمسك بي بعد أن أغلقت باب القبو من الخارج على صديقي..
كنت أجري في دهاليز منزلها وهي خلفي تحمل منجلها، وصلت إلى الباب لكنني لم أجد الوقت الكافي لفتحه فهي تكاد تصلني، فتركت الباب وعدت أركض إلى داخل منزلها، أدخل في غرفة وأخرج من الأخرى، حتى وصلت إلى باب قادني إلى السطح، كنت أنظر إلى مكان مناسب حتى أقفز إلى الخارج، فإذ بالعجوز قد وصلت إلى السطح وأغلقت الباب خلفها، كانت تقترب مني ومنجلها مصوباً نحوي، فأغمضت عيني وقفزت من أعلى السطح فوقعت على زريبة أغنامها وسط كومة من القش، لم يصبني شيء، نهضت وركضت بعيداً عن بيتها..
توجهت إلى أحد الدكاكين حيث الناس هناك يسهرون، فأخبرتهم بكل شيء، اجتمع الناس وقرروا دخول بيت العجوز يتقدمهم والد صديقي، قرعوا الباب مراراً ولم يتلقوا رداً، فتسلق أحد الشباب البيت وفتح الباب من الداخل، توجهوا مباشرة إلى القبو، فوجدنا صديقي ينزف دماً من شدة الجراح لكنه حي، ثم فتح الرجال التابوت وفجعوا بالجثة المحنطة فيه، فتعرف أحد كبار السن على صاحب الجثة إنه زوج العجوز التي أوهمت الناس أنه مسافر في الخارج حتى تحتفظ بجثمانه.. أما العجوز فقد اختفت بعد افتضاح أمرها، بحثوا عنها ولم يجدوها.
في صباح اليوم التالي، قاموا بدفن الجثة في المقبرة، ومنذ ذلك الحين كثرت مشاهدات الناس لعجوز تقف عند القبر ليلاً ثم تختفي في الغابة ذات الأشجار الكثيفة التي تقبع في الوادي خلف المقبرة، بعد مرور سنين اجتاحت المنطقة أمطار غزيرة نجمت عنها سيول جارفة، وبعد انقضاء المطر بأيام وجدوا جثة امرأة منتفخة ملقية بين الأشجار كان السيل قد جرفها، ولم يعد أحد بعد ذلك يرى زائرة المقابر في الليل البهيم.