الجمعة، 24 نوفمبر 2017

الدولاب الملعون

الدولاب الملعون
اصرت علي اختي ان ازورها في بريطانيا حالما انهي امتحانات منتصف الفصل الاول. اختي تدرس في بريطانيا في مدينة نورويتش وتقيم في سكن للطالبات. وكانت لي فرصة جيدة ان اقيم مع اختي في نفس شقتها , مغتنمة فرصة ان زميلة اختي في الغرفة غادرت الشقة منذ فترة بسيطة.
كان لقائنا حميميا في المطار, وفي سيارة الاجرة كانت اختي تتامل في وجهي طوال الوقت؛ معها حق, فنحن لم نر بعضنا منذ عام كامل. كانت اختي يارا تحدثني عن الشقة الجميلة التي سنسكن فيها, وعن سعادتها ان زميلتها التي كانت تشاركها الشقة قد رحلت. حينما كانت يارا تذكر تلك الفتاة, كان يشحب لونها وترتعش يديها وتشعر ان الموضوع اكبر من عدم
ارتياح من تلك الفتاة, حيث يبدو الموضوع اكبر بكثير .
دخلت الى الشقة , وكانت مضيئة وجميلة, ليست بواسعة..لكن جميلة. ادخلت اختي حقائبي الى غرفتها, فتسائلت " اليست هذه الغرفة هناك فارغة؟؟" فاجابت يارا بالايجاب ثم اكملت " سوف تنامين في تلك الغرفة, لكن حقائبكي ستبقى معي في غرفتي..لا اريد لك ان تستخدمي دولاب ملابسها" هنا ظننت للحظة ان دولاب تلك الغرفة مهترئ او ان به عيبا ما, فصمتت ولم اعلق بكلمة, وفضلت ان ارى بعيني ثم احكم على قرار اختي الغريب. دخلت تلك الغرفة, وكانت مضيئة وجميلة, حتى انها كانت اكثر اتساعا من غرفة اختي , وان كان الضوء لا يصلها بنفس المقدار بالمقارنة مع الغرفة الاخرى. اتجهت انظاري الى دولاب الملابس القابع في الزاوية بعيدا عن النافذة في ركن مظلم, كانت تبدو حالته جيدة, وحين اقتربت من الدولاب لاتفحصه عن قرب, صرخت بي يارا بقوة " لا تفتحي الدولاب..اياكي" هنا نظرت لها في غاية الدهشة.
سحبتني يارا من يدي الى غرفتها حيث شعرت هي بالاطمئنان اكثر لسبب لا اعرفه. وقبل ان اسالها عن السبب, اقتربت مني يارا وبدت جادة فيما ستقول " اسمعيني يا حنين... لا تفتحي ذاك الدولاب..صدقيني... انه مخيف.. لا اعرف السبب ... لكنني لم افتحه منذ ذلك اليوم" كنت استمع الى اختي وقلبي يرتجف " وماذا حدث ذلك اليوم؟؟" ابتلعت يارا ريقها بصعوبة وقالت هامسة " لقد رايت عينا صفراء داخل ظلام الدولاب... صدقيني.. لم اكن اتوهم" هنا تعالى صوت ضحكاتي " حبيبتي..لابد انها قطة ما..او لربما جرذ" بدا على يارا الغضب " صحيح اني صرخت وقتها..لكنني طلبت من المنظفة ان تبحث في الدولاب جيدا عن أي قطة داخله, لكنها لم تر شيئا" ابتسمت انا هنا ابتسامة ساخرة , فاكملت اختي تحاول اقناعي " صدقيني..ان هناك احدا يسكن في ذلك الدولاب.... لذلك ابتعدي عنه ما استطعت.. تجنبيه فقط..تجنبيه ..فالغرفة ليس فيها ما يخيف عدى ذلك الدولاب" قمت من السرير وسحبت حقيبة ثيابي واخذتها الى غرفتي وتعلو وجهي ابستامة واثقة لكنني في داخلي كنت قد بدات اشعر بالقلق.
فتحت حقيبة ثيابي, وكنت في غاية التردد, اافتح الدولاب ام لا.. نظرت الى الدولاب فاذا هو دولاب ذو اربعة ابواب, نظيف وبراق.. لا يبدو مقلقا سوى في ما يروى عنه. قررت ان انسى كلام اختي, وان اتحلى بالعقل قبل الشجاعة, فمن ذاك الذي يمكن ان يسكن في دولاب الملابس, كما ان ثيابي سوف تتجعد ان تركتها لمدة طويلة في الحقيبة, فنهضت الى الدولاب, وسميت باسم الله, وامسكت مقبض باب الدولاب, ..... وفتحت بابين منه, كان الدولاب فارغا, وكانت رفوفه فارغة وتعلوها بعض الاتربة, نظرت الى تلك الاتربة, فوجدت على احد الرفوف اثار اصابع في شكل خطوط طولية وتبدو جديدة الاثر. ازددت شجاعة وفتحت البابين المتبقيين فوجدت الدولاب فارغا ايضا, وكانت هذه المنطقة هي المخصصة لتعليق الملابس. وهنا شرعت في تعليق ثيابي الواحدة تلو الاخرى. وفور انتهائي من تعليق الثياب, قررت ان اترك باب الدولاب مفتوحا, لم اعرف السبب, لكنني شعرت بالاطمئنان اكثر وابواب الدولاب مفتوحة...ربما كي اختصر عناء اللحظات المخيفة قبل فتح كل باب.
خرجت الى اختي متباهية "انظري..ليس هناك شيء يثير القلق" فردت اختي وهي تشعر بالبؤس" انتي حرة.... هل يمكننا ان نخرج الان لتناول الطعام خارجا... اريد ان انسى الموضوع" فكرت للحظة ان اذهب لاغير ثيابي, لكني فضلت ان ابقى بثيابي على ان انفرد بذلك الدولاب مجددا.
كان الغداء لذيذا ودسما, ورجعت انا واختي الى الشقة ساعة المغيب, اقترحت علي اختي ان نتفرج على التلفاز سويا, لكنني فضلت النوم, لان جسدي كان منهكا حقا من السفر الطويل ومن وجبة الغداء الدسمة. دخلت غرفتي وتذكرت لحظتها موضوع الدولاب, نظرت الى الدولاب, كانت لا تزال ابوابه مفتوحة, فشعرت بالارتياح الشديد, واقفلت على نفسي الباب وشرعت اغير ثيابي. اغلقت ابواب الدولاب , ثم اتجهت الى سريري ونمت ملئ عيني.
استيقظت على صوت غريب... انها دمدمات غير واضحة ولكنها كانت مزعجة, او بالاصح...مخيفة... افقت وانا انظر حولي, كانت الغرفة لا تزال مضيئة, فانا لا احب النوم في الظلام. نظرت حولي لاني ظننت ان اختي تدندن بجواري, لكنها ليست هنا... وصوت الدندنات قوي... دندنات تخرج من مكان ما.... فكرت بلحظة بالدولاب..... لكن لا..يجب ان لا يكون الدولاب... لعل الصوت قادم من خارج غرفتي..لعله من النافذة, اقتربت من النافذة..ليس هناك أي صوت... ربما من غرفة اختي, خرجت الى غرفة اختي , انها نائمة, والصوت ليس من غرفتها..... ان الصوت من داخل غرفتي. عرفت انه ليس من مفر, يجب ان اتفحص الدولاب... اقتربت من الدولاب, وكانت المفاجاة.... حقا الصوت يخرج من الدولاب... انها دندنات متواترة على لحن اغنية غربية قديمة.... لم تكن لدي الشجاعة الكافية لفتح الدولاب, لذلك هرعت من غرفتي اركض كالمجنونة, متجهة الى غرفة اختي, ايقظتها فقامت فزعة, واخبرتها بالامر, فوجدتها قد فزعت اكثر مني, واصبحنا نحن الاثنتين في حالة رعب شديدة, حتى ان اختي لم تغادر سريرها لتتحقق امر الصوت, كانت مصدقة تماما لقصتي بل وزادت معقبة :" اخبرتكي... ان هناك احدا في الدولاب" فقلت لها متسائلة وانا ارتجف :" ولم سياتي احد في هذا الدولاب.. ومن تقصدين باحد؟؟ هل تقصدين انسا ام ...؟؟؟؟" فاجابت وهي في غاية الثقة " انتي لا تعلمين... تلك الفتاة كانت فتاة غريبة, لم تكن تتحدث الي الا نادرا, احيانا كنت اسمعها تتحدث الى احد في الغرفة, وكنت اسمع صوت ذلك الشخص..كنت اظنها في البداية تتحدث الى احدهم عن طريق الانترنت..او حتى الهاتف... الى ان اختفت تلك الفتاة فجأة... بين ليلة وضحاها لم اجدها في الشقة, وكانت قد اخذت كل ثيابها واغراضها دون سابق انذار, والمحير في الامر ان الوقت كان ايام امتحانات... لم تكن ايام عطلة, كما انها لم تكن قد اخبرت ادارة السكن الجامعي انها ستغادر.... تلك الفتاة حقا غريبة..وبدات اشك بكل قصتها حينما رايت العينين في دولابها" تمالكت اعصابي قليلا وقلت لاختي " اسمعي... غدا حين يحل النهار ويملا الضوء المكان, ساذهب انا وانتي الى الدولاب, وسنفتحه سويا ونخرج منه كل اغراضي..هل اتفقنا؟؟"
بالكاد استطعت النوم انا واختي ونحن ممدتين على سرير واحد , تذهب بنا الافكار يمنة ويسرة. اشرقت الشمس اخيرا, وبعد ساعة ملا النور المكان, واتجهت انا ويارا الى ذلك الدولاب, اقتربت منه بخوف وتردد, لكن وجود يارا معي زاد من شجاعتي, امسكت بقبضتي البابين بقوة, وانا اردد بعض ايات القران, وبلحظة شجاعة واحدة, حاولت فتح الباب... لكنه لم يكن يفتح, حاولت وبشدة, لكنه كان عنيدا, وكأن احدا من الداخل يمنع فتح الباب.... ازداد يقيني بصحة قصة اختي, لكني اردت التأكد اكثر عندما شعرت بقدوم لحظة شجاعة ثانية, وقررت فتح البابين الاخرين للدولاب الذين يحويان رفوفا, ففتح الباب دون مشاكل, ولكني انتبهت الى ان اثار الاصابع على غبار الرفوف ازدادت, واصبحت اكثر فوضوية, وليست مجرد خطوط طولية كما كنت قد رايتها بالامس. اخذت مجموعة الثياب التي كانت مرتبة على الرفوف بسرعة وغادرت الغرفة آخذة كل شي يمكنني اخذه .
جاء وقت الظهيرة, وبالرغم من التوتر الذي كنا نعيشه انا واختي, الا ان الجوع كان يعتصرنا, كان من المفترض ان نغادر الشقة للذهاب الى أي مطعم بالجوار, لكنني كنت لا ازال ارتدي ثياب النوم, وملابسي محتجزة في ذلك الدولاب المخيف. نظرت احدانا الى الاخرى نتفحص علامات الخوف في وجوه بعضنا, حتى خرجت عن صمتي... " اتريدين مني ان اصدق ان احدا ما في دولابي... اهو جني ام روح شريرة..؟؟؟ هذا كلام غير منطقي... انا لا اريد ان اصدق.. كما اني اريد ثيابي.... " واتجهت الى غرفتي بشجاعة والغضب يمتلكني . وفتحت باب الغرفة, فكانت المفاجاة, شباك الغرفة مفتوح, مع اني كنت قد تركته مقفلا بالامس, السرير مرتب, مع اني تركته بالامس وهو في حالة فوضوية, فكيف ارتبه وكنت قد استيقظت تلك الليلة فزعة جدا وغادرت الغرفة بالتاكيد قبل ترتيب أي شيء... بالاضافة الى وجود زوج من الاحذية, حذاء متسخ وقديم بجوار الدولاب لم يكن موجودا بالامس, كانت اختي تراقب معي بخوف والدهشة املت علينا الصمت, اقفلنا الغرفة وغادرنا الشقة متجهين الى قسم التنظيفات, طلبنا من المنظفة ان تاتي لفتح باب الدولاب, فرافقتنا الى الشقة, وحوالت فتح الباب, ولما استعصى عليها الامر, اتصلت باحد العاملات, التي جائت معها بمطرقة وبعض الادوات اللازمة لفك باب الدولاب, وقامتا حقا بفك الباب, وكانت المفاجاة... ليس في الدولاب أي ثياب... ثيابي كلها اختفت, ولكن العاملة انتبهت الى وجود قطعة قماش على ارضية الدولاب, سلمتها لي, كانت قطعة خضراء اللون محترقة الاطراف, لكنني استطعت التعرف عليها, انها جزء من فستاني الاخضر...........
حتى الان لم ارى أي من ثيابي, غادرت انا واختي السكن الجامعي ذاك الى سكن جامعي اخر, واحتجنا بعض الوقت حتى استطعنا تجاوز الازمة النفسية تلك....
وحتى هذا اليوم.. لست ادري.. هل سرقت ثيابي؟؟..ام ان احدا كان يسكن ذلك الدولاب
النهاية