الاثنين، 27 نوفمبر 2017

موعد مع ابليس

كان الزوج على وشك أن ينتهى من صلاة العصـر عندما طرق أحدهم باب المنزل، وسمع زوجته تهتف طالبةً منه أن يفتح للطارق لانشغالها فى أعمال المطبخ – على غير علم بأنه مشغول بصلاته – فسلّم الزوج على الملكين وقام بطيئاً بحكم الشيخوخة التى بدأت تدب فى مفاصل جسده .. ثم راحت قدماه تبحثان عن خفّيهما فى بطء، واتجه يفتح الباب .. ففَغِرَ فاه مما رأى بعد فتحه ..

صمت دهراً .. ثم نطق دهشاً :

– انتَ؟؟!! …. انتَ عرفت عنوانى ازاى؟!

الزوجة هاتفة: مين يا سالم؟

الضيف: إيه هتسيبنى واقف ع الباب كدة كتير؟ مش هتقول لى اتفضل؟

ظل سالم واقفاً عند الباب ممسكاً إياه بذراعه، يعبر جسده بلغة مفهومة عن الارتباك وعدم الرغبة فى دخول الضيف ..

الزوجة آتية: مين يا سالم؟!

الضيف هامساً فى خبث: براحتك لو مش عايز تقول لى اتفضل انهردة مسيرك هتقولها لى فى يوم تانى .. ماهى دى .. ههه.. مش آخر مرة هتشوفنى فيها!

سمح سالم مضطراً للرجل بالدخول .. ثم قال مجيباً زوجته بصوت فاتر :

– عندنا ضيف يا كريمة.

ثم دخل الضيف وراحت الزوجة ترحب به: أهلاً وسهلاً! .. إتفضل، خطوة عزيزة!

الضيف : يعز مقدارك! .. جوزك الندل دا يا ستّى بقاله 17 سنة ما بيسألش .. مع اننا كنا جيران وزمايل فى المدرسة وفى الكلية كمان! .. أنا إسمى مدحت.. مدحت الشرنوبى.

كريمة : ياااه! ..17 سنة!! .. تشرفنا يا أستاذ مدحت!

سالم (فى ارتباك) : أاااا… أصله كان.. كان مهاجر أمريكا يا كريمة.. من فضلِك اعملى لنا شاى!

كريمة : من عينيّا حاضر.

مدحت : تسلم عنيكِ يا سِت الأمراء!

جلس سالم ومدحت، وبعد ذهاب كريمة راح مدحت يرمُق المنزل المتواضع بعينيه حتى لاحظ صوراً فوتوغرافية مُبَروَزة على الحائط .. ثم أخذ يعلّق :

– ماشاء الله! .. كل دول ولادك؟!

سالم وهو يغلى غيظاً بصوت مكتوم :

– انت عاوز ايه؟؟! مين اللى مسلّطك عليا تانى بعد السنين دى كلها؟ ….. هى! .. مش كدة؟؟

مدحت متنهداً : الله يرحمها!

سالم متأرجحاً بين الدهشة والحزن وعدم الاكتراث : يرحمها؟! …هى ماتت؟

– من 6 شهور تقريباً .. سرطان.

– ولمّا هو كدة جايلى عاوز ايه؟ أنا بطّلت أدور على أخباركم من زمان.. أنا دلوقتى عايش عشان ولادى والست الفاضلة اللى جوة دى وبس!

مدحت بابتسامة خبيثة : بس ماتقولش ولادك!

جحظت عينا سالم ناضحتان بشرار الغضب، فبادره مدحت :

-ممم… جايز الصغيرين يكونوا ولادك! ….هههه…مش متأكد بصراحة! …بس هما فيهم شبه منك ع العموم … لكن الكبير….. (يقترب هامساً) انتَ عارف كويس إنه مش ابنك!

ثم نظر مدحت بطرف عينه نحو اتجاه المطبخ، فراح يستكمل فى همس :

– ياترى الست الفاضلة اللى جوة دى عارفة انه مش ابنك؟؟

الغضب والدهش والخوف والحزن .. مشاعر متعددة ومختلطة ومتناقضة شلت سالم لثوانٍ عديدة أفقدته حتى القدرة على لفظ كلمة، أيقظه منها صوت زوجته قائلةً :

– إتفضلوا الشاى!

مدحت وهو يهم بالنهوض:

– تسلم إيدك! مرة تانية بقى معلش عشان مستعجل وورايا مشاوير كتير.. متأسف إنى طبّيت عليكم فجأة كدة.. أنا بس كنت معدى قريب من هنا قلت أسلّم على حبيبى!

قالها رابتاً على كتف سالم وهو يصطنع ابتسامة صفراء.

كريمة: شـّرفـت وآنست!

إتجه الإثنان نحو الباب .. فهمس مدحت لسالم وهما يتصافحان:

– بكرة الساعة 6 فى مكاننا القديم!

ثم خرج مغادراً ..

********

فى اليوم التالى .. وبعد ليلة لم يذق فيها سالم طعم النوم الهانئ الذى كان قد بدأ يعتاده منذ سنين قليلة فقط .. وبعد تفكير طويل وصراع مع النفس، وجد أنه لا مفر من الذهاب لمقابلة مندوب إبليس (أو مدحت) ..

لم يكن ليستطع صبراً كَىّْ يعلم ماذا ينوى له هذا الشيطان الذى كُلِّفَ به كمهمته فى الدنيا، إذا كانت مملكة الشياطين تدير أعمالها عن طريق تكليف كل شيطان بمهمة محددة ..
فهو يعلم تمام العلم أن الفرار من القَدَر مُحال، ولكنه سلم أمره لصاحب الأقدار راضياً مستسلماً لإرادته التى هى حتماً ودوماً خير، حتى وإن بَدَت غير ذلك.

وصل مدحت بعد انتظار بدى طويلاً كالدهر، أخذت تتلاعب فيه الأفكار والذكريات الأليمة بسالم كما تتلاعب الأمواج بحطام زورق صغير .. ثم نزل إبليس من سيارته الفارهة ذات الدفع الرباعى يهتف:

– طول عمرى مواعيدى مظبوطة! .. وطول عمرك بتوصل بدرى عن معادك.. تفتكر ليه أنا دايماً بكسب؟! .. يمكن عشان بعرف أختار المكان الصح والوقت الصح اللى أوصل فيه؟

كان المكان نائياً شبه خالِ من الناس، مما سمح لسالم بالتنفيس عن كل غضبه دونما يخشى أن يسمعه أحد .. فاتجه مسرعاً نحو مدحت، وجذبه من ثيابه صارخاً:

– انت عااايز منى ايييييه تااااانى؟؟؟!! مش كفاية اللى عملتوه فيا زمان؟!! هى ربنا خدها فى داهية وانت لسة مش عايز ياخدك ليه يا أخى؟؟!!! ما تموووت بقى وتريح الدنيا من أمثالك!!

– هههههه.. ما انا لسة قايل لك .. كل حاجة فى معادها كويسة.. وأنا بعرف اوصل فين وامتى وازاى!

– إسمع!! أنا مش عايز أشوف خلقتك تانى!! ولو رجلك النجسة دى عتبت بيتى مرة تانية هقطعها لك!! إوعى تفتكر انى ضعيف ولا خايف منك!! … انا لو كنت عاوز اقتلك انتَ وهى كنت قتلتكم من زمان وماحدش كان هيلومنى فيكم… بس الموت راحة استخسـرها في اللى زيكم…. أنا سِبت حقى عند المنتقم الجبار اللى مابتضيعش عنده الحقوق!

– يُجيب مدحت وهو يبعد يدىّ سالم عن ثيابه:

– حلوة أوى المحاضرة دى!.. نخش بقى فى المهم.. أنا ليا أمانة عندك وجاى عشان آخدها.

– انتَ مالكش عندى غير دا !!! (مشيراً بإصبعه الأوسط فى انفعال)

– ههههه…أللللللله! … إيه القباحة دى يا سالم؟ .. انت ماكنتش كدة خالص! .. عيب على دقنك يا شيخ!

يقولها مستفزاً وهو يداعب لحية سالم .. ثم يشعل سيجاراً كوبياً فاخراً ويستكمل ببرود:

-لا أنا ليا حاجة أهم من كدة بكتير… وهتديهانى بكيفك أو غصب عنك… عشان ما افتكرش إنك تحب أهلك وحبايبك وجيرانك وزمايلك فى الشغل يعرفوا إن مراتك الأولانية خانتك مع صاحبك وخلفت منه ورمت لك انتَ العيل تربيه وتكتبُه بإسمك.. وما افتكرش إن العيل دا بعد ما كِبِر هينبسط لما يعرف انه ابن حرام، وإنه مش ابنك.. وإنك فهمته ان أمه ميتة وحرمته منها وهى كانت عايشة، حتى لو كانت أمه دى بنت ستين كلب! .. وما افتكرش كمان إن مراتك الفاضِلة هتنبسط لما تعرف إنك خَبّيت كل دا عليها…. ومافتكرش إن ولادك هينبسطوا لما يعرفوا ان اخوهم مش اخوهم….. أكمل؟… ولا كفاية كدة؟

توقف الزمن بسالم قليلاً، ثم شعر بخدر فى ساقيه وذراعيه وهو يسأل مدحت فى خيبة أمل واستسلام:

– انتَ عايز ايه؟!

– أنا عايز ابنى!

– إبنك؟؟!!! .. ههههه.. حلوة دى!

-أنا ممكن ارفع قضية واعمل تحليل DNA واثبت انه ابنى .. يعنى كدة كدة هاخدُه! ..وشوف انت بقى الفضايح ومصاريف المحامى والشَحطَطة فى المحاكم ..

– وأنا ممكن ادفِنك مَطرَح مانت واقف!!! (يقاطعه سالم فى شراسة)

-وتضيّع نفسك وكوم اللحم اللى وراك والست الفاضلة اللى واقفة فى المطبخ؟ تؤ تؤ تؤ… يصح كدة؟!

– انت عايزُه ليه بعد السنين دى كلها؟! فاكر انه هيقوللك يا بابا؟ ههه.. انت ماتستاهلش حتى تكون بنى آدم مش أب!

– أنا الأب اللى أى شاب فى الزمن دا يتمناه يا سالم! .. الأب اللى يقدر يشتري له عربية وشقة ويجوزه أحلى بنت يشاور عليها….. طب انا بقى ما سألتكش انتَ عايزه ليه؟ ها؟ ..أخدته ليه؟ وربيته وكتبته باسمك ليه؟

– عشان انا إنسان عندى رحمة وعندى ضمير، ودى طبعاً حاجات انتَ ما تسمعش عنها.. عشان هو كان حتة لحمة حمراء لما رمتوه وهربتم .. طفل برىء معصوم مالوش أى ذنب فى وساختكم! .. والحمدلله ربنا كافئنى فيه وفى اخواته وطلع ابن بار وتقى وذكى ومتفوق.. وهيدخل كلية الطب كمان شهرين ويبقى دكتور قد الدنيا!

– حلو أوى! .. وانا مش عايز غير مصلحته ومصلحتنا كلنا… أنا جاى اعرض حلّ يريح جميع الأطراف!

– أنا معنديش مشاكل عشان ألاقيلها حلول! مشاكلك انتَ بقى روح حِلّها بعيد عنى وعنُه! ..

– قالها سالم ثم استطرد ضاحكاً كمن عثر فجأةً على كِنز :

– ههه.. طبعاً! .. طبعاً الندم بيعض قلبك دلوقتى عشان أدركت إنك هتموت وتعفن لوحدك!! .. لا صديق ولا زوجة ولا ابن يسندك فى أواخر ايامك! عشان عشت أنانى وطمّاع وعبد لشهواتك!

– هههههه… مفيش فايدة! عمرك ما هتتغير! .. لازم تستنى لحد المشكلة ما تبقى مصيبة وتطب فوق دماغك عشان تصدّق وتحس ان فيه مشكلة! .. تمام زى ما عملت فى مشاكلك مع نادية لحد ما سابتك وخانتك وراحت لواحد تانى….. تقدر تقول لى هتجيب منين مصاريف كلية الطب بتاعتك دى وانتَ مخلّف لى قُرطة؟! ولا يمكن متبنيهم هما كمان وفاهم نفسك بتنقذهم وبتصلح الكون! .. طب انا معاك… لو حتى هيثم عرف يتخرج من كلية الطب يا سيدى، وبمرتبة الشرف كمان.. تقدر تقول لى هيطلع يشتغل ازاى من غير واسطة ولا فلوس؟! .. البلد دى يا ابنى نصها دكاترة ومهندسين مرميين ع القهاوى العشرة بقرش، ولا مش واخد بالك؟!! إبقى افرح بيه بقى وهو قاعدلك فى البيت زى خيبتها! .. ولا يمكن آخر مايتخنق منك ومن نفسه ومن الدنيا كلها يروح يضرب له صيدلية بحالها ويموت مأڤور!

– وزويل ومجدى يعقوب وفاروق الباز .. كانت ايه فلوسهم ولا وسطتهم؟!

– هههههههههههه الزمن غير الزمن يا جدّى! .. وحتى دول يا صاحبى لو كانوا فضلوا قاعدين فى مصر كان زمانهم دلوقتى بيغنوا ظلموه زيهم زى ملايين غيرهم .. إوعى تفتكر انهم وصلوا للى هما فيه دا عشان عباقرة فى الطب والفيزياء والچيولوچيا أكتر من غيرهم… لا خالص!.. يمكن يكون فيه ناس موهوبين أكتر منهم مليون مرة، بس هما عرفوا يختاروا السكة الصح والمكان الصح اللى يحققوا فيه أحلامهم… مش بقول لك عمرك ما هتتغير! … انتَ عارف يا سالم انتَ ليه خسرت فى المقارنة اللى عملتها نادية بينى وبينك؟ عارف ليه سابتك واختارتنى؟ مش عشان انا أحسن منك، لا أبداً.. بالعكس يمكن انتَ أحسن منّى فى كل حاجة…

– أيوة عارف! .. عشان انتم زى بعض وتستاهلوا بعض!

– لأ! .. عشان هى كانت ذكية وعارفة هى عايزة إيه .. إختارت الراجل اللى يقدر يحقق لها أحلامها وطموحاتها! .. لو كانت فضلت معاك كان زمانها لسة واقفة فى المطبخ زى الست الفاضلة مراتك، وبتشتغل دادة ومُرضعة وطباخة وممرضة ومدرسة وماشطة وفلاية… هههه… كان زمانها شابت قبل الأوان يا ابنى وجالها السكر والضغط والأعصاب والمرارة والاستبحس!

– ومعاك انتَ جالها ايه؟! (بتهكُّم)

– دا أجلها يا راجل يا مؤمن! (بابتسامة خبيثة) .. انتَ مش مؤمن بقضاء ربنا ولا إيه يا شيخ سلّومة؟! هههه..

يسحب مدحت نفساً طويلاً من الدخان، ثم ينفثه مستكملاً:

– إسمع منى بقى لأنى مش هقولها تانى! .. لو عاوز مصلحة هيثم بصحيح خليك ذكى ولو مرة واحدة فى حياتك… أنا هسفّره برّة واعلّمه أحسن تعليم.. وهيورث أعمالى وشركاتى وفلوسى… جَرَّب! ..هتخسر ايه؟ .. هو انا هخطفُه لا سمح الله؟! ما انتَ هتزوره وهو هيزورك ويزور اخواته.. والتكنولوچيا يا سيدى ماخلّتش سفر ولا مسافات.. فى أى وقت تدوس على زرار تشوفه صوت وصورة!

يدعس السيجار بحذاءه، ثم يتابع:

– عموماً أنا هسيبك تفكر… وعموماً برضو انا متشكر ليك أوى يا صاحبى على تربيتك لابنى السنين دى كلها! .. ومستعد أعطى لك شيك أبيض تكتب فيه الرقم اللى انتَ عايزه، يلّا اهو رِزق العيال! .. واعتبره يا سيدى تعويض مِنـّي ومن نادية عن المقلب اللى عملناه فيك زمان.. هههه .. ما يبقاش قلبك اسود أوى كدة! …. وعلى فكرة بقى.. دى كانت وصيتها قبل ما تموت.. شُفت بقى انتَ ظالمها ازاى؟

فى صمت مطبق من سالم، أدار له مدحت ظهره متجهاً إلى سيارته .. ثم وقف كَمَن تذكر شيئاً ما، فنظر إلى سالم هاتفاً:

– آااه! .. قبل ما تسأل! .. هنفهمه ان أنا خاله الوحيد اللى كان مهاجر طول عمره فى بلاد برة، وماتجوزش وماخلفش وماعندوش حد يورثه ولا يسنده فى أواخر أيامه غير هيثم… ايه رأيك فى الحبكة دى؟ هههه.. أنفع مخرج سيما مش كدة بذمتك؟

واستقل مدحت سيارته فى ثقة، ثم هتف لسالم قبل أن يمضى:

– فَكّر!! بس ياريت توافق.. عشان ما عندكش اختيار تانى! .. وانا متأكد ان هيثم كمان هيوافق.. أكيد هيطلع ناصح لابوه وامُّه!

ثم ضحك ضحكة سَمِجة زال صوتها بالتدريج مع ابتعاد السيارة.

*********

بعد يومين فى دار الإفتاء ..

– آدى حكايتى يا سيدنا الشيخ.. حكايتى الغريبة اللى ما فيهاش غير العذاب اللى مكتوب عليا دايماً.. انا أئتمنتك على سِرّى يا مولانا.. سرى اللى ما اقدرش أبوح بيه حتى لمراتى أم عيالى.. وجاى طالب مشورتك وبلجأ لك بعد ربنا.. أنا عقلى أصبح عاجز عن التفكير.. ما بقتش عارف إيه الصح وإيه الغلط! .. مش عارف إيه الغلطة اللى عملتها وبتعاقب عليها دلوقتى بالطريقة البشعة دى؟! .. هو الأب اللى يخلّف ويرمي ويهرب؟ .. ولا اللى يكبّر ويربّى ويصرف ويتعب ويحب؟!

– غلطتك إنك نسبت الولد لنفسك يا إبنى! .. قال الله تعالى: ((ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله))..

– وفى بقية الآية قال: ((فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً))

– لكن انتَ كنت عارف مين ابوه.. وعارف ان امه عايشة وأنكرت وجودها وحرمته منها وبكدة كمان تكون قطعت صِلَة رَحِمْ.

– يعنى انا اللى طلعت غلطان فى القصة دى كلها؟!! .. الله! هو انا اللى أخدته منهم بالعافية؟! ما هُم اللى رموه لى فى حِجرى وهربوا على أمريكا! .. أنا لو ما كنتش خدته كان هيضيع ويتشرد أو كبيرُه يترمى فى أى ملجأ أيتام! كان هيتكتب فى شهادة الميلاد إبن زنا! ويفضل عايش طول عُمره بعار خطيئة مالوش ذنب فيها! أنا خليت له أب وأم واخوات ومستقبل وسمعة نضيفة وعيلة يتحامى فيها…. هو انت كنت عاوزنى اعمل ايه يا مولانا؟ أفضح نفسى واقول للناس دا مش ابنى؟ مراتى خلفته من أعز صحابى؟!

-أنا لا أعيب عليك كفالته يا بُنَىّ.. فرسولنا الكريم (ص) قال: ((أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة)) … أنا أعيب عليك تغيير نسبه وقطع صلة رحمه.. وخلطه بأبناءك وبناتك الذين ليسوا بأخوته.

– كلهم صبيان، انا ماعنديش بنات!

– ولو كان منهم البنات؟! هل كان يجوز اختلاطهم فى بيت واحد؟ وزوجتك التى ليست بأمه؟

– أيوة بس هو كان هيبقى فاهم انهم اخواته فعُمره ما كان هيبص لهم! وهو وعى ع الدنيا لقى كريمة مراتى هى أمه اللى بتربيه فعمره ما هيشوفها غير زى أمه! .. هو مش برضو فيه قاعدة شرعية بتقول درء المفسدة مُقَدَّم على جلب المنفعة؟ … يعنى انت كنت عاوزنى اقول له إيه يا سيدنا الشيخ؟.. ها؟؟ .. عاوزنى اقول لطفل صغير لسة بيفتح عينيه ع الدنيا انت ابن حرام؟!! .. انت امك وابوك خلفوك ورموك وماكانش فيه حد غيرى يلمّك؟!! .. أمك كانت “لا مؤاخذة” وكانت بتخوننى مع صاحبى اللى هو ابوك؟؟!! .. فيه ايه سيدنا دا ربنا عرفوه بالعقل يعنى!!

– أنا ما قُلتش كدة!

– أومال قلت ايه؟ كنت أسيبه يتربى لَـقيط فى ملجأ وارميله شوية فلوس؟ معقولة دا اللى يرضى ربنا؟! .. ولا كان يرضيه ان ولد زى دا يطلع متشـرد ومجرم وحاقد على المجتمع؟؟ مستحيل يكون ربنا عايز كدة!!

-لست بأحنّ على المخلوق من الخالق يا بُنَىّ.. فالله هو الرحمن الرحيم وهو خير حافظ.. وهو العليم بما خلق.. وهو الحكيم بما قَدَّر.. وإن شاء لأضلّه ولو كان فى حضانتك.. وإن شاء لهداه ولو كان فى أى مكان آخر!

– آه! .. يعنى انتَ ما فرقتش حاجة عن اللى قالوا “يا مرَبّي فى غير وِلدَك، يا بانى فى غير مِلكَك”! .. يعنى ارميه واقول ربنا لو شاء هينقذه!

– أنا ما قُلتش كدة!

– إنتَ هتجننى يا مولانا هو انا ناقص جنان؟؟!! يعنى انا اعمل ايه دلوقتى؟؟ ارمى ضنايا اللى تعبت فيه لأكتر إنسان أذانى فى حياتى؟ دا حتى لا يؤتمن عليه!!

– باب التوبة مفتوح للجميع يا بُنَىّ! فمن تكون أنتَ لتسدّه فى وجه الخلق؟

– يا ريته كان ندمان وتايب! كان يمكن ساعتها تاخدنى بيه شفقة أو رحمة.. إنما انا متأكد ان الحكاية مش كدة! .. دا جاى يذلّنى ويقهرنى زى ما عمل زمان.. جاى يسـرق منى ابنى زى ما سرق منى مراتى وحب عمرى.. مُتعِته فى كدة!! .. طول عمره بيكرهنى ويحقد عليا وهو عامل نفسه صاحبى.. عمره ما شار عليا شورى إلا وكان وراها الخراب.. عمرى ما طاوعته إلا وندمت.. عمره ما قاللى نصيحة إلا وكانت مسمومة… دمّر لى حياتى مرة ولما لقانى ابتديت اشم نفسى وأقف على رجليّا من جديد عاوز يدمّرنى تانى! … لأ !! المرة دى بقى مش هسمح له!

– إنتَ يا ابنى مش عايز تعطى له الولد عشان مصلحة الولد؟ ولا عشان تثأر لكرامتك وكبرياءك؟؟ .. وأخدت الولد وربيته ليه؟ عشان فعلاً هو كان صعبان عليك وكنت عاوز تعمل خير؟ ولا عشان تورّيهم وتورّى نفسك انك احسن منهم؟ وتعيش فى دور المضحّى الكريم المثالى اللى فى عزّ وجعه فكّر فى مصير طفل مش ابنه؟

– لا يا شيخنا لا! .. الحكاية مش كدة أبداً لأ .. ماتظلمنيش انت كمان زى ما ظلمونى! .. أنا يمكن فى الأول أخدت الولد عشان خُفت من الفضيحة وكلام الناس ..لكن بعد كدة حسيت ان ربنا عوضنى بالولد دا فى الوقت اللى كنت وحيد.. وحيد جداً.. ماليش حد.. ومش قادر أبوح لحد بهَمّى اللى هيموتنى.. انت ما تعرفش اللى انا مريت بيه شكله إيه يا مولانا.. دى كانت قسمة ظهر! أنا عشت سنين أسود من قرن الخروب وعشت ايام بين الحياة والموت! .. حاولت انتحر لكن ما قدرتش لما شُفت ربنا بَعَتْ لى الولد يِحْبِي عشان يمسك فى هدومى وأنا بعلق رقبتى فى الحبل.. كأنه بيقول لى ما تسيبنيش! .. حسيت انها علامة من ربنا عشان يكتب لى عُمر جديد.. حسيت انه بعت لى كفّ صغير حنين يطبطب عليّا… فى اللحظة دى ما بقتش عارف أبكى على الحال اللى وصلت له.. ولا أفرح وأنا بشوفه أول مرة يتعلم يِحْبِي! … أنا ماخدتش الولد عشان اثبت لهم أى حاجة يا مولانا! .. ثم هُمَّ دول بيحسوا أصلاً ولّا بيتعظوا؟!!.. دى أمه حتى وهى عيانة وبتموت ما طلبتش تشوفه!! أقسم بالله انها لو كانت طلبت تشوفه ماكنتش همنعه عنها!

– ما يمكن هى كمان بعد ما شعرت بغلطتها وندمت وفاقت، أشفقت عليه من إنّه يوم ما يعرف ان له أم يشوفها وهى بتموت! ويبقى إتيتّم مرتين! … الدنيا دى ما فيهاش ملائكة وشياطين يا ابنى.. كلنا بنى آدمين.. لا انت ملاك ولا هما شياطين.. مفيش إنسان ما بتمرش عليه لحظة ضعف أو ندم.. ما يغُرَّكش نَفخته اللى كان جاى يكلمك بيها.. هو كمان كبرياءه مش هيسمح له إنه يبان ضعيف وندمان وموجوع قدامك! .. انتَ ما كنتش تعرف أخبارهم ولا تعرف هُم مرّوا بإيه فى الـ 17 سنة دول… وبعدين يا سيدى مش كانت حجّتك إنهم ماسألوش عنه ولا طلبوه؟.. أهو أبوه بيطلبه منك دلوقتى! .. ودلوقتى لو انت اللى منعته يبقى انت اللى بتخالف شرع ربنا.. الولد له حق شرعى فى مال أبوه وأمه ولازم يستلمه!

-دلوقتى انت اللى بتطلب منى أكون ملاك يا مولانا واسامح أكتر ناس أذونى .. وأدّي للكلب دا ثمرة تعبى وسهرى وحبى ع الجاهز! .. ياريتها كانت على قدّى انا.. والست اللى حَبتُه ورَبتُه وما فَـرَّقِتش أبداً بينه وبين ولادها؟ واخواته؟ أو اللى فاهمين انهم اخواته.. دول بيحبوه جداً وما يقدروش يستغنوا عنه!

– طيع أوامر ربنا يا ابنى وهو هيورّيك آيات كرمه ورحمته.. ويصبّرك ويثبّتك ويعوّضك خير.. إن ما كانش فى الدنيا هيبقى فى الآخرة.. قال تعالى: ((وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)).

– ونعم بالله! (يَبْكِى)

– إمسح دموعك يابنى! .. مين عارف؟ يمكن ربنا كاتب له الخير فى بُعده عنك الفترة دى! .. سيدنا يوسف لو كان فِضِل فى حِجْر أبوه كان هيطلع ولد مُدلَّـل وضعيف.. لكن ربنا كان كاتب له يتعلم ويِمُر بتجارب وخبرات ويبقى له شأن عالى فى بلد تانية.. ومسير الحَىّ يتلاقى! .. اللُقى نصيب يا ابنى.. والفُراق نصيب.. وكل اللى يكتبه ربنا خير.. إرضَى عن ربنا يا ابنى، يرضيك ويرضَى عنك!

*********

قبل سفر هيثم بأيام ..

سالم : تعالى يا هيثم! عاوز اقول لك كلمتين.

هيثم : تحت أمرَك يا بابا.

– إوعى يا ابنى العيشة بَرّة تنسيك بلدك ودينك وأخلاقك.. إبقى طمننا عليك أول بأول يا حبيبى.. واوعى تتلم عليك واحدة تلفّ عقلك!.. ركّز فى دراستك دلوقتى.. ولما ييجى وقت الارتباط اختار بعقلك قبل قلبك يا هيثم! .. عقلك لو طاوعته عمرك ما تخسـر يا ابنى.. لكن قلبك لو طاوعته.. ممكن تخسر نفسك وقلبك وعقلك.

– ما تخافش عليا يا بابا! .. وعموماً لو انت خايف عليا أوى للدرجة دى أنا ممكن اقعد وما اسافرش.. أنا بصراحة مش مقتنع أوى يعنى بخالى اللى ظهر فجأة دا وعاوز ياخُدنى اعيش معاه هناك.. وما كانش السفر يعنى حلم عمرى.. أنا وافقت بس عشان لقيت حضـرتك مُصَمّم وشايف ان دا فيه مصلحتى.. وانا طول عمرى بثق فى حضرتك وبسمع كلامك.

– ياريت كان بإيدى يا حبيبى! .. لكن دا برضو خالك وماقدرش احرمك من أهلك ولا احرمهم منك.. الدم عمره ما يبقى مياه.. يمكن العِزّ والسفر والتعليم النظيف يعوّضوك شوية عن حرمانك من أمك الله يرحمها وانت لسة لحمة طرية.

– لكن انا عمرى ما حسيت انّى يتيم يا بابا! .. ماما كريمة طول عمرها بتعاملنى زى ما أكون ابنها وعمرى ماحسيت انها مش أمى.

– خُد بالك من نفسك يا هيثم!.. وخد بالك من صحتك!.. الجوّ هناك برد أوى يا ابنى. (تدمع عيناه)

– الله! إيه يا بابا حضرتك بتتكلم كدة زى ما تكون بتودّعنى؟ هى دى آخر مرة هنشوف بعض فيها؟! ما احنا على طول هنتكلم ونشوف ونسمع بعض ع النت.. دا أنا هزهّقكم مكالمات! وهاجي لكم فى الأجازة بإذن الله.. خلاص بقى صلّى ع النبى يا ابو هيثم! (محتضناً سالم)

– أيوة.. أبو هيثم! (يبتسم ماسحاً دموعه).. أنا أبو هيثم! .. عاوزك دايماً تنادينى بالإسم دا وانت بتكلمنى يا حبيبى!

– بس كدة؟ من عنيّا! ..غالى والطلب رخيص يا ابو هيثم!

**********

بعد مرور سنوات ..

– تسلم ايديكى يا كريمة! .. نعمة ورضا من الله.. هقوم أغسل إيدى وأريّح شوية قبل ما العيال يرجعوا من الدروس الخصوصية.. أحسن أنا راجع من الشغل هَلكان!

– أنا …. أنا حلمت بهيثم يا سالم!

– تانى يا كريمة! (فى يأس وامتعاض)

– شُفت وشه جميل ولبسه جميل.. وماسك فى إيده مصباح منوَّر ونوره باهى وأبيض.. وماشى فى طريق وسط خُضـرة.. جنينة كبيرة وجميلة.. وشلالات وتماثيل على شكل ملايكة.. والسماء صافية ولونها فاتح ومنوّرة.. والطريق طوييييل ومنوّر ومرصوف بالورد ع الناحيتين.. ومليان سلااالم.. وبين كل سِلّمة وسِلّمة مشاااوييير.. واحنا ماشيين وراه.. ننده عليه وهو مش سامعنا!.. نجرى عشان نلحقه لكن هو أسرع مننا بكتير مع إنه بيمشى مش بيجرى! .. لحد ما اختفى بعيد فى الطريق.. واحنا ما عُدناش شايفينه وتعِبنا ونَفَسْنا اتقطع من كُتر الجرى.. وفجأة حسيت بإيد بتطبطب على كتفى من وَرايا!.. ببص وَرايا لقيته هو! بيضحك لى وكأنه بيقول لى ما تزعليش! …وفجأة صحيت!! ..صحيت على الفجر بيقول الله أكبر…تفتكر معناها ايه الرؤية الغريبة دى يا سالم؟؟

– إنسيه بقى يا كريمة! .. إنتِ لسة عندك أمل؟! .. بعد أول أجازة نِزِل لنا فيها ما شفناش وشه تانى.. وشوية شوية ما بقاش يتّصل ولا يرد حتى! .. وحجّته مشغول مشغول! .. لغاية ما قطع خالص وحتى مدحت ما بيردش على اتصالاتنا.. والكلام دا فات عليه سنين ومات كل الكلام.. معقولة ما عندوش ولا ثانية فاضية يكلمنا فيها؟؟! ومعقول مدحت كمان مش فاضى ولا ثانية؟!.. الحكاية باينة زى الشمس! .. وأظن ما عادش فيه سبب يخليكى تستغربى من كل دا، بعد ما بُحت لِك بسرّى اللى خبيته عليكى سنين طويلة! .. ما دام ما فكّرش يسأل علينا السنين دى كلها يبقى عمره ما هيرجع خلاص ولا يسأل تانى.. هو واضح إنه اتفاهم مع ابوه وبقى عايش مبسوط وياه وعجبته حياته الجديدة ونسينا!.. خلاص بقى إنسي!.. كإننا لا ربيناه ولا شفناه.. ربنا يسعده مطرح ما هو! .. احنا مالناش غير أربَع ولاد بس يا كريمة.. ربنا بس يباركلنا فيهم!

– معذور يا سالم! .. صغير وممكن يتلعب بعقله .. الله أعلم ابوه الملعون دا سَمّ دماغه بإيه!

– يعنى عاوزة تقولى إنّى غلطان إنّى سِبتهوله؟ طيب لو صحيح مدحت قال له عنى حاجة تكرهه فِيَّ، هو يقوم يصدقها كدة على طول بسهولة؟! من غير ما يفكر يعاتبنى ولا يسألنى ع الحقيقة؟ ..لا يا كريمة! .. أنا ما عُدتِش قادر اخترع له أعذار ومبررات أكتر من كدة! …. يظهر صحيح الدم بيحن! .. تلاقيه ورث الندالة والنكران من امه وابوه..أنا اللى غلطان من الأول! لكن معلهش.. اللى عند ربنا برضو ما بيروحش… ربنا يصلح حالهم وحالنا!

– لكن انا ليه قلبى حاسس إنّه ما نسيناش ولا بطّل يحبنا؟! …. الرؤية دى مش عادية يا سالم!.. مش زى كل مرة صدّقنى! … تفتكر يكون خلّص دراسته وهيرجع يا سالم؟ مش الطب بيدرسوها 7 سنين؟ أهو الـ 7 سنين عدّوا! .. مش جايز يكون أبوه مانعه عننا وهو مضطرّ يهاوده عشان ما يقطعش عنه مصاريف الجامعة؟ … يمكن أول ما يِمسك شهادته فى إيده نلاقيه راجع يخبط علينا…

– كفاية بقى يا كريـ……

(صوت طرق الباب)

سالم: …………….!

كريمة: ……………!

كريمة فى لهفة: قوم يا سالم! .. قوم افتح الباب!

قام سالم واتّجه نحو الباب، ثم فتحه ببطء .. فوجد رجلاً كهلاً شديد بياض الشعر، ذو وجه كثيف التجاعيد .. باسطاً ذراعه إلى الحائط يستند إليه .. يبدو عليه التعب والهم .. وينظر إلى سالم نظرةً حميمة .. فراح سالم يرمقه فى تعجب ثم سأله:

– أفندم! مين حضرتك؟!

فأجاب الكهل بابتسامة حزينة:

– معقولة ما عرفتنيش يا سالم؟ .. حد ينسى شيطانه؟!

استغرق سالم ثوانٍ عديدة ليستوعب، ثم هتف:

– مين؟! مدحت؟!!

راح سالم ينظر هنا وهناك خارج الباب متساءلاً فى لهفة وقلق:

– فين هيثم؟ … هيثم جه معاك؟؟ .. ها؟؟ .. ماترد!! فين هيثم؟!!

لم يتمالك مدحت نفسه وأخذ يبكى فى وهن وحرقة .. فراحت كريمة تصرخ فيه:

– فيه ايه؟؟ هيثم كويس؟؟ هيثم فين؟!!

دلف مدحت فألقى بجسده على أقرب مقعد .. ثم قال بصوت يخنقه البكاء:

– هيثم راح للى أَحَنّ من الكُل.. راح للى خلقه! .. هيثم مات!

على الفور أخذت كريمة تنوح فى لوعة:

– يا لهووووى!….لاااا يا رب.. لاااااااا…. يامصيبتى! …. اااااااااااااااه…. اااااه … يا حسـرتى عليك يابنى! …. ااااااااااه!

فى حين انقض عليه سالم كالمجنون يجذبه من ثيابه ويصـرخ فى وجهه فى هيستريا وينهار فى البكاء:

– مات؟؟!! .. مات يعنى اييييه؟؟؟!! … يعنى ايه؟!! ازااااى؟؟ امتى؟؟! .. ازاى ماتقولليش آجى أشوفه؟؟!! ازاى ماتخلينيش أودعه؟؟ ليييييه؟؟؟ يعنى ايييييه؟؟!! ازااااااااى؟!! حراااام علييييك!! حرااااام علييييك!! قلت له عنى اييييه؟!!! عملت فى ابنى اييييه؟؟!!!!!! عملت فيه ايييييه؟!!!! ابنى مااات ليييييه؟؟!!

فأسرعت كريمة تجذب سالم فى قوة لتبعده عن مدحت وهى تصرخ:

– سيبُه يا ساااالم! .. سيبه يا سااالم هيموت فى ايدك! … سيبه يا سالم أبوس رجلك! …. يالهوووى! …. يا خرااااابى!

فراح مدحت يصرخ مجهشاً بالبكاء:

– والله ما عملت له حاجة! .. والله ما عملت حاجة! .. هو اللى طلب منى كدة.. ماكانش عاوزكم تعرفوا حاجة… هيثم كان عيّان يا سالم! .. كان مريض.. بقاله حوالى 6 سنين بيتعالج! .. إكتشف مرضه بعد ما رجع من أول أجازة اللى زاركم فيها… كان بيموت كل يوم حتة حتة قدّام عنيّا يا سالم! .. ما كانش عايزك تشوف اللى انا شفته يا سالم!.. ماكانش عاوزك تشيب تلاتين سنة فى سَبَع سنين زيى يا سالم! … حرام عليك يا سالم كفاية اللى انا فيه.. هيثم راح! .. ابنى راح يا سالم!…

وراح يلتقط أنفاسه ويُهَدّئ من بكاءه، ثم استكمل:

– هيثم جاله مرض نادر.. الأطباء دلوقتى ما يعرفوش له سبب ولا علاج! .. الأعصاب والعضلات بتضمُر وتموت واحدة ورا التانية بسـرعة.. الأول ما يقدرش يحرّك أطرافه.. بعدين ما يقدرش ياكل ولا يبلع ولا يخش الحمام.. بعدين ما يقدرش يتنفس طبيعى من غير جهاز.. فى آخر أيامه ماكانش بيحرّك غير عينيه.. معظم اللى بيتصابوا بالمرض دا ما بيعيشوش بعده أكتر من كام سنة أو كام شهر هُمَّ وحظهم! ….. لما عِرِف طبيعة مرضه، قرر انكم ماتعرفوش عنه أى حاجة لغاية مايموت عشان ما تتعذبوش وماتتشحططوش معاه، وانتم هنا فى مصر ما كنتوش هتقدروا تعملوا له حاجة! ..

ولما إيديه ابتدت تتقل قرر يكتب لكم آخر جواب يقدر يكتبه.. طلب منى ورقة وقلم.. وأنا بناولهم له ما قدرتش أتمالك نفسى.. وصارحته بالحقيقة كلها عشان يسامحنى ويسامح أمه قبل ما يموت، قبل ما يبطل ينطق وما يقدرش يقول سامحتك! .. سمع كل كلامى للآخر وما ردّش بوَلا كلمة وابتسم لى.. وطلب منى أسيبه لوحده لغاية تانى يوم الصبح.. والصبح لقيته بيدينى الجواب دا، وبيوصينى مافتحهوش وأخلّيه أمانة عندى لغاية ما يتوفى وبعدين أسلمه لكم.. وطلب منى إنه يتدفن فى مصـر فى المدافن بتاعتكم وإنكم تحضـروا الدفنة.. وإن كل حاجة كتبتها له باسمه تبقى من نصيب اخواته.. وأنا جاى انهردة عشان أنفّذ وصيته….

…..وجاى كمان عشان أقول لك حاجة مُهِمّة يا سالم.. جاى اقول لك ان انتَ اللى كسبت!.. وانا اللى خسرت كل حاجة!… إنتَ فرحت بيه وكبّرته وحضرت معاه كل اللحظات الحلوة.. وأنا جيت عشان أحضر الألم والوداع وأتفرج عليه وهو بيدبل ويموت، وأنا بكل فلوسى ونفوذى مش قادر اعمل له حاجة!! .. مش بقول لك أنا دايماً بوصل فى الوقت الصح! (يحتد صوته بالبكاء)

قالها مدحت ثم نهض متثاقلاً، وراح يمشـى بطيئاً .. ثم وضع الخطاب فى يد سالم وذهب مغادراً.. في حين جلست كريمة تميل يساراً ويميناً وتردّد فى ثبات دون توقف:

– لله ما أخذ ولله ما أعطى! .. لله ما أخذ ولله ما أعطى! …

ظل سالم جالساً شاخصاً بلا حِراك، ممسكاً بالخطاب لدقائق طويلة .. ثم راح يفتحه ببطء بعدما ابتلّ بدموعه .. فوجد بداخله صورة لهيثم قبل مرضه، وهو يضحك باسماً، ويقف فى حديقة جميلة وشهيرة فى أمريكا .. وخلفه الشلالات الصناعية، وبضع تماثيل تشبه الملائكة أو الأطفال .. وممر طويل ذو سلالم عديدة تحفّه الأزهار وأعمدة الإضاءة الأنيقة، وتعلوه السماء الصافية .. ويشير هيثم فى الصورة بيده بعلامة النصر ..

ثم وجد سالم داخل الظرف ورقة مكتوب فيها:

” عاوزك دايماً تفتكرنى بالشكل دا يا ابويا.. عمرى مانسيتكم ولا هنساكم! .. بوس لى ماما واخواتى وأشكرهم لى على كل حاجة عملوها عشانى ..عمرى ما بطّلت ولا هبطّل احبك واحترمك.. أنا مديون لك بحياتى! .. بس حياتى ما تِغلاش على اللى خالقها .. نتقابل فى الجنة ان شاء الله يا ابو هيثم �� “

تمت