إستحواذ.......( كامله )
“وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”
بعد طلاق أبي وأمّي بدأت الأخيرة بالتشبّث بي أكثر وكأنّي كلّ عالمها أنا ذاك الطفل ذا الثلاث سنوات ، وإستأجرت غرفة بمبنى مُختلف ، كانت لا تنام إلّا وهي تُمسك بي وتمسح بيديها على شعري وتشعر بكل ما أشعر به ، كان لأمّي أقارب ولكنّني لم أراهم أبداً ولم أكن أعرف في الحياة إلا أمي ، هكذا وبدأت أسمع أمي تبكي وتضحك وحدها في الغرفة بينما أنا نائم ، تتحدّث وتزمجر ويجنّ جنونها .. وأنا أخاف أن أفتح عيني لأرى ماذا يحدث معها .. هكذا لفترة طويلة لا أحاول رؤية ما يحدث ، ولكنني كنت طفلاً وثار فضولي وفتحت عيني فرأيتها تتحدث إلى الحائط وكأنّ الحائط شخصٌ ما .. ولكنني لم أقتنع حينها وحاولتُ أن أتنحى قليلاً من وراء ظهرها لكي أرى بمنظورٍ أوسع .. وبدأت أزحف بشكل لا تلاحظه هي .. أزحف .. أزحف ، وأعيد النظر وهيّأت لي نفسي أني رأيت شيئاً ما أو جزءاً منه .. ثم زحفت يساراً أكثر لأن أمي كانت تغطّي على رؤيتي له وتحول بيني وبين ما أريد رؤيته .. ثم مددتُ رقبتي على الأرض وفتحت عيني تماماً فرأيت ذلك الشئ الذي يجلس أمام أمّي ويحدثها .. ورآني هو بعينٍ خبيثة موحشة .. ومزّقت عيناه قلبي ، هذا ليس كالناس الذين أراهم في الشارع والتلفاز ، إنه كوحوش خزانة الملابس ، كشياطين الكوابيس ، هذا ضخمٌ وقاتمٌ وليس من الناس .. لم أعلم أبداً ما هو ولا أعلم لماذا يجعل هذا الشئ أمي تضحك وتبكي وتشكو وحركات أخرى لم أكن لأعي ماهيتها وأنا طفل ، لم تعلم أمّي أبداً ني رأيته .. ولم أحاول أن أراه مجدداً .. ثم كبرت أنا وأصبحت تلك الذكرى تطاردني في أحلامي وماتت أمّي .. ولم أعد طفلاً في هذا العالم ..
أنا زوج ولي زوجة وطفلتين رائعتان .. وكانت تلك مجرد ذكرى لا أنساها ، وفي الرابع من أيلول من عام 2006 بدأت أنا وأسرتي التحضير للسفر من ملابس وإستعداد نفسي وبدني وتحضير للأمتعة .. ولكن في صباح اليوم التالي لاحظت أن زوجتي تعاني من بعض الدوار فسألتها وقالت أنّ تلك اللحظة قد حلمت بها .. وكل ما تحلم به يحدث فإبتسمت لها وأخبرتها بأنّي معها .. بعدما إستيقظنا وعزمنا على الخروج وبينما ها نحن نذهب إلى الباب وقعت زوجتي على الأرض من خلفي فجأة وتتبّع وقوعها صوت حشرجة مكتوم ، صرختا الطفلتين وأسرعت لنجدتها وتفحّصتها ووجدت بطنها تنتفخ فجأة وتهبط فجأة وملأ الذعر قلبي .. فحملتها إلى المشفى بأقصى ما مكّنني فيه ربّي .. وبعد نصف ساعة من الوصول أمطرت السماء عليّ بالأسئلة .. ماذا أكلَت صباح هذا اليوم؟ ما الذي حدث بينكما؟ منذ متى ويحدث لها هذا؟ لا طبيب في المشفى يستطيع تشخيص ماذا حدث بالضبط .. جميعها فرضيّات وأسئلة .. أفاقت هي وأخذتها إلى المنزل وبالطبع لم نُسافر ولم نكُ ننوي السفر حتّى تتحسّن حالتها بالكامل .. وهكذا تمّ هذا اليوم بأسوأ ما يُمكن .. خوفي على زوجتي لم يكن عاديّاً لأنه من بداية الحال هي يتيمة الأب والأم وليس لها إخوة ولا أخوات .. ليس لها إلّاي والطفلتين .. سألتها عمّا حدث فقالت أنها تشعر وكأنّها ليست هي من بداية الصباح ولكنها لم تُرد أن تُعكّر اليوم بأن تقول ، وتشعر بإضطرابات في بطنها وعدم إرادة لأي شئ .. وكلّمت الطفلتين عن الأمر بطريقة بسيطة واخبرتهم أنها متعبة فقط .. ونمت أنا وزوجتي بينما هي في أحضاني ، ولكنّني تقريباً لم أنَم لأنّها هي الأخرى لم تنام! .. وسار الأمر هكذا حتّى وقت الفجر .. وإستيقظت على آذان الفجر لأجد زوجتي بجانبي عيناها جاحظةً ويخرج منها صوتٌ كصوت الكلاب .. كلّما يقول المؤذّن شيئاً من الآذان أراها وأسمعها تتصرّف بغرابة ..
ما بكِ؟ هكذا سألتها .. ولكنّها لا تُجيب .. وتنظر لي بعينٍ غريبة ليست عين زوجتي! فأمسكتُ بها وصرخت في وجهها بإسمها ما بكِ؟ .. ففتحت فهما وأطلقت صُراخاً عظيماً ولكن ليس بصوتها ، وليس بأيّ صوتٍ أعرفه لبشر ، وهنا أيقنتُ بأنّ زوجتي تحتفظ بشئ ما بداخلها .. ولكنّني لم أتوقّف عن المُحاولة وأسألها ما بكِ .. فتارةً تبكي وتارةً تصرخ .. وتتقوّس أطرافها وعيناها لا تتوقّف عن النظر إلى كل الأماكن ..
ظلّت الأجواء بنفس تلك الريبة حتّى بزوغ الصباح ، ولاتزال بناتي لا تعلمن عن الأمر شيئاً .. وإتصلت بأختي كي تأتي وتُهدّئ من روعتهن فقالت لي أنّه يجب أن يزور زوجتي مُختصّ فنحن نشتبه في صَرَعٍ أو في إستحواذ! .. في البادئ إتصلتُ بهذا الصديق القديم كي يأتي وينظر لها ويحاول سؤالها وإستجوابها .. ولكن من هول ما تفعل هي فهو حتّى لا يستطيع أن يقترب منها فيقول أنّه لم يرى مثل ذلك الصراع الذي لا تهدأ نوباته أبداً وتستمرّ بهذا الشكل ، وآخر ما قد فعله معها هو إعطائها مسكناً قويّاً ولكنه تفاجأ بأنّ الكمية المركزة من المخدّر لا تفعل شيئاً فقال أن الأمر ليس عضوياً نهائيّاً وقال لي إنّ زوجتك ممسوسة يا رجل! فنزلت تلك الكلمات عليّ كالصاعقة ..وافصح على أنّ الأمر أكبر منه ولا يستطيع فعل شئ حيال حالتها .. ويجدر الإتصال بأحد المُعالجين .. وبعد ساعةٍ أتى صديقٌ له كي يبدأ بالعلاج ويرى ما يمكن فعله معها وقبل أي شئ سألني بضعة أسئلة لا أعلم مفادها ..
هل تُعاني زوجتك من تقلّب المزاج للأسوأ أحياناً؟
نعم مؤخراً ..
هل طلبت الطلاق أو إمتنعت عنك بشكل مفاجئ؟
أتذكّر مثل هذا ولكنني أعتقد أنّه بسبب ظروف نسائيّة ..
هل تحلم زوجتك أحلاماً غريبة بأمور دينية وثعابين؟
بالضبط .. أنت تقول كلّ شئ ..
أخيراً .. هل تتحقّق أحلام زوجتك مؤخراً حرفيّاً؟
كل ما تحلم به يتحقّق وتقول لي ذلك كثيراً ..
للأسف يا ماجد فزوجتك ممسوسة بنسبة 100% .. يمكنك البقاء بينما أقرأ عليها ولكن ستخرج الأخت .. فلا نعلم حجم بطش هذا اللعين بداخلها ..
سيحاول إرهابنا ببعض الكلمات ويهدّد بأنّه سيؤذي زوجتك ولكنني سأعمل على ألّا يستطيع فعل أي شئ وكعادة الحال سأبدأ بقراءة القرآن فقط ..
بدأ الراقي بتلاوة سورة الفاتحة .. ونستطيع بوضوحٍ رؤية تجاوب الحالة .. التي هي زوجتي مع القراءة .. وبدأ يتلو آياتٍ من القرآن من المصحف كلّه وأغلبها من سورة البقرة .. يمكننا رؤيتها تتجاوب ولكن لا يوجد تأثير قوي عليها .. ما يعني أنّما هي تحمل عبئاً قويّاً .. فقال لي الراقي أنّنا سنحاول الآن مخاطبته كي نعلم من هو وماذا نريد ويهيبني علماً بأنّه من نظرات زوجتي لنا أن زوجتي الآن ليست في وعيها فردود أفعالها وإيماءاتها غير طبيعيّة .. وأمرني الراقي بأن أمسك بمعصميها وأن أحتاذ على ساقيها كي لا تعنّف تصرفاها معنا .. فسأل الراقي من باخلها لماذا قد دخلت إليها؟ ..
لا توجد إجابة غير النظرات الإستفزازيّة فقط ..
ما إسمك؟ وماذا تريد منها يا لعين؟ .. تكلّم؟ .. بدأت أنا وهو وهي نتنفّس بصورة سريعة وقلوبنا تخفق من الخوف .. فأماء الشيخ بأنّه غير خائف ولكن من بالداخل هو الخائف من الكلام .. ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم “وقالوا لجلودهم لم شهدتهم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كلّ شئ” .. ثم بعد ثوانٍ بدأت تمتمات تخرج من فيه زوجتي فكرّر قوله مرّة أخرى .. ثم قال الآية التي بعدها “مالكم لا تنطقون” .. ثم الآية التي تليها “ولدينا كتابٌ ينطق بالحقّ” فثارت أطراف زوجتي وإنطلق صوت من داخلها يشبه العواء يقول بخشخشةٍ “ستموت .. ستموت هي قبل أن أخرج منها” .. ثمّ بدأت المحادثة التي لن ينساها كلّ من كان في المكان ..
- ما الذي تريده منها ، أخبرنا الآن؟
- أريدها .. ولا أريد منها.
- كيف تريدها ولماذا؟
- لديّ ثأر وهي إنتقامي!.
- ما هو هذا الثأر ومع من؟
- “ينظر لي بعينها” معك يا ماجد .. أنت ثأري وهي إنتقامي!.
- ما الذي فعله ماجد كي تثأر منه؟
- هو يعلم .. يمكنه التذكّر.
- لا هو لا يعرف أي شئ .. تكلّم قُل ما هو ثأرك معه؟
- بالماضي قد تسبّب بضياع حبّ حياتي .. كنت منبوذاً لأجل هذا الحب.
- قل صريحاً كل ما لديك وإجعلنا نعلم كل الأسباب..
- “ينظر لي بعينها .. بِغَضَب” كنت أحب أمّه .. قد نبذتني عشيرتي وإعتبروني مجذوماً لأجل هذا .. كنت دائماً ما أرى جسدها يتعرّى أمامي وبُكائها طوال الوقت ، وأمانيها لعالم أفضل لا تُظلم فيه لأجل أنّها إمرأة أو أنّها فقيرة أو أنّها وحيدة .. قد إندلعت كل مشاعري المُخَبّئة .. وأحببتها وقد علم الجميع بذلك فنبذوني ، ولم يعد لي إلا الحُب .. ظهرتُ لها بأشكال عديدة ، حتى بشكلك أنت يا ماجد .. قد كنتَ صغيراً للغاية .. في ليلة قد ظهرت لها فيها بصورة أخرى أقرب ما يمكن أن يكون شكلي .. بعد أن صارحتُها بكلّ شئ وإنصاعت لي .. رأيتني أنت .. وعلمت هي عندما رأتك في المرآة وأكملت الحديث معي فقاطعتني من بعدها .. ولم تعد تنصاع لي لأنّها تخاف عليك ، وفعلَت كلّ شئ كي تزيحني عنها .. ولكنّها ماتت ونست أنّك متروكٌ إلى حين وليومنا هذا لم أنسى أنّك وقد كُنتَ صغيراً قد ضيّعت منّي كل ما كنت أملُك .. ولهذا فلن أترك زوجتك حتّى تموت هي أو أموت أنا ..
- هذا ولو كان صحيحاً فقد كان طفلاً..
- طفلاً أو عجوز .. سأثأر لأجل كل شئٍ ضاع ..
- زوجتي ليس لها دخلٌ بأيّ شئ .. يمكنك أن تؤذيني أنا ولكن إتركها هي
- أعلم أن ألمك لها أكبر من ألمك لنفسك ولهذا فقد إخترت الأكثر ألماً لك
- إرجع عمّا تفعل .. فإنّي لستُ بتاركك حتّى تَخرُج ..
- ستموت هي قبل أيّ شئ .. سأمتازُ في تحقيقِ هذا ..
وفي مشهد سريالي قامت أطراف زوجتي تتشنّج وتتطاير وتعضّ على أسنانها وكأنّ الطلق أدركها .. في محاولات بائسة منّي لتهدئتها والتخفيف من روعها ومحاولة مخاطبة ذلك الجزء من زوجتي الذي لا يزال واعياً صَمَتَت فجأة وهدأت وراحَت تتأوّه وتُصدر آهات خفيفة الصوت وتنظر لي .. وتنطق بإسمي وتقول أنّها تحتاجني كثيراً .. بالطبع لم تكن تلك هي زوجتي ولكنّه اللعين بداخلها .. يريدني أن أفقد أعصابي ..
إرتفع جسد زوجتي فجأة وتقوّست مع قراءات المُعالج المتتالية الصاخبة .. وكأنّ الريح تحملها وترتفع ثم لم يلبث وسقطت فجأة وسكتت نهائيّاً ..
في الوهلة الأولى قلت أنّها ماتت وتحسّت من نبضها ولكنّه مازال ينبض ومازالت تتنفّس .. ومع القراءات والإستعاذات هي لا تستجيب فإبتسم لي المُعالج وقال أنّه قد خرج .. ثمّ نظر جوله وقال حتّى أنّه ليس في تلك الغرفة .. لم يُحرق لأنّه عاتٍ وجبّار وقد خرج من فعل نفسه والضغط على شهوته .. لا أضمن لك أنّه قد غادر المنزل كلّه ولا أضمن لك أنّه لن يعود لإيذائك .. حصّن بيتك وعائلتك وإقرأ البقرة كلّ يوم وإجعل بيتك طاهراً في كل أركانه .. لا يغنّي أحدكم ولا ينطق لفظاً يقربه إلى شيطان .. لا تدعوا البيت ساعة واحدة بلا قرآن وبلا دعوات .. أكثروا من دعوة الصالحين ليزوروكم ويجلسوا معكم فهم يطردوا خبث الشياطين بجلوسهم معكم .. وستحتاج زوجتك إلى الرعاية النفسيّة المكثّفة لمدّة إسبوعان ..
ثمّ تركنا وأبى أن يأخذ أجراً لقاء مساعدته لنا .. وأفاقت زوجتي ثم إحتضنتها وأخبرتها أنّ كل شيء على ما يرام .. وكذلك أخبرت الطفلتين ..
تركنا فكرة السفر وإخترنا البقاء في المنزل وروابطنا إجتمعت بكل قوّة .. وأصبح هذا البيت عامر بالإيمان القوي وحتى الأطفال أصبح إيمانهم قويّاً .. وعاد المنزل سعيداً آمناً مُبارَكاً فيه بفضل الله ..
حتّى أنّي إرتقيت في عملي وعالجت مشكلة الذُهان الخاصّة بأمّي .. والحياة أصبحت رائعة بشكل مُبالغ فيه .. حتّى أن الروعة أقلقتنا .. ولكنّنا لم نكترث طالما الله معنا وهو حسبنا وهو نعم الوكيل والناصٍر ..
إعتقدت أن تلك هي النهاية الرائعة لكل قصّة عصيبة لأيّة عائلة عاديّة .. وأنّنا قد إجتزنا الأصعب ولكن بعد ذلك بدأت الأحداث الحقيقية بعد مرور ثمانية سنوات .. التي جعلت الأمر يأخذ شكلاً مجتمعياً وعلم به الكثير من النّاس وأصبحنا من أشهر العائلات الذين واجهوا ظروفاً غامضة لا يفسرها أي علم أو دين .. للأسف فالقصّة لم تبدأ بعد ..
كان هذا اليوم ممطراً والعمل فيه شاقّ .. عدت إلى المنزل متعباً ولا أعتقد أنّي سآكل أو سأجلس مع زوجتي من فرط التَعَب .. سأنام فقط ، فصعدت إلى الطابق العلوي كي أنام .. وكان منتصف اللّيل لم يحن بعد .. وقد نمت بسرعة من الإجهاد الذي واجهته في يومي ..
صُراخٌ خافت لإبنتي وبُكاء .. يعلو ويأبى أن يصمُت .. أنا لا أحلم ولكنني إستقيظت من هذا الصوت .. رأيت زوجتي بجواري تغطّ في نوم عميق لا تشعر بأيّ أصوات .. أمّا أنا فقمت ووجدت أن الكهرباء مقطوعة عن المنزل .. وعندما نزلت بكلّ صعوبة لأنّ المكان معتم وجدت أنّ هذا هو صوت إبنتي الصغرى التي تبلغ الآن 9 سنوات ، والصوت يأتي من يسار المنزل ناحية باب الحديقة ولكن لا أستطيع رؤية أي شئ .. ولكنّني أعتمد على خريطة المنزل التي بذاكرتي وأتجنب الإصطدام بأي شئ .. وها أنا أقترب من الصوت أكثر .. وأحاول أن أنادي على إبنتي ويكأنّها لا تسمعني إطلاقاً وأنا فقط من يسمعها .. فلمحت شيئاً من على يساري توقّف قلبي بسببه ريثما إستوعبت أنّها إبنتي .. فإقتربت منها وجعلتها تقف لأنها كانت ممدودة على الأرض .. فهدّأت من روعها وإحتضنتها .. إنتظرت حتّى ذهب البكاء .. فقلت لها ها أنا هُنا معك .. وسألتها
- ممّ كنت تصرخين هكذا وتبكين ممدودة على الأرض .. ولماذا تركتِ فراشك ونزلتي إلى هنا في تلك الليلة الباردة الممطرة .. ؟
- كان هناك من يحوم حول المنزل يا أبي ودخل إلى الحديقة وكان يريد قتلي!
نزلت تلك الكلمات عليّ كالصاعقة وقلت لها
- ما الذي تقولينه .. قُصّي علىيّ ما حدث بالتفصيل ..
- لم استطع النوم فنزلت إلى هنا فإنقطعت الأنوار ولكن أعجبني منظر المطر والصاعقة البعيدة ووقفت ها هنا لأجد من يمشي خارج المنزل بشكل منضبط وإستطعت رؤيته من فتحات السور .. ثم وبعد ذلك أمكنني رؤيته داخل السور لا أعلم متى قفز وخل إلى هنا ! يسير على العشب بهدوء وفي الحديقة لا أعلم هو رجل حقيقي أم مسخ من الخيال لأنه كان ضخماً بشدة وطوله يفوق طولك بمتر واحد على الأقل يا أبي وعريض المنكبين وأشعث وشعره كثيف ولونه أسود متفحم وعيونه ليست كالعيون إنّما هي طوليّة الشكل كالقطط .. كانت الأجواء مظلمة لكنّني أقسم أنّي لا أكذب في أي شيء فإني أستطعت رؤية تلك التفاصيل من خلال رؤيتي البسيطة له ويا أبي قد كانت قدماه تمشي وكأنّها تعرج وشكلها ليست كأقدامنا ولكنّه قدم حيوان كالماعز والكبش .. وكان يحوم حول المنزل ويقترب .. لم يكن يراني ولكنّني رأيته قد ذهب إلى تلك الجهة وفي نفس اللحظة رأيته أمامي هنا خارج الزجاج “باب زجاج شفاف وواسع يفصل بين المنزل والحديقة” فأنزل رأسه وكأنّه إخترق الزجاج وأمسك ببطني ولا أعلم لماذا لم أكن قادرة على الصراخ بصوت أعلى من هذا وكأنه كان يتحكم بي من الداخل .. فور قدومك قد تركني وإختفى أو طار في السماء لا أدري وبقيت على الأرض لا أستطيع الحراك حتى أتيت أنت ..
لا نستطيع تصديقها ولا نستطيع تكذيبها .. لأنّ هناك من أخبرني بذلك من الجيران .. زوجة الجار المقابل لي قالت أنّها ومن خلال المرآة في غرفتها رات بالخارج من كان يحوم حول منزلي وكان طويلاً بشدّة وأسود تماماً ثم بعد ذلك إختفى وبدأت هي بسماع صراخ إبنتي .. وأيضاً آثار أقدام على العشب غريبة وكأنّها كانت تحرقه والزجاج رائحته كرائحة النار في الهشيم ..
بدأ الخبر ينتشر بين الجيران وأهل المنطقة والجميع تقريباً يتداولها ما بين مصدّق ومكذّب ..
ثم وبعد ذلك بليلتين فقط تقول زوجتي أنّها رأت خيال نفس الموصوف من ذي قبل في المنزل عندما كانت في الحمّام .. تقول أنّه كان في ال”منور” وصوته كان كقرقرة الضفادع ولكن بإيحاء آخر مخيف ..
ثم إبنتي الكُبرى قالت بعدها بإسبوع أنّ كلبها إختفى وتم تأكيد إختفائه بعد أن رأيناه آخر مرة منذ يومين ولم يكن الهرب أو الإبتعاد من عاداته أبداً ، بعضنا كان يسمع نباحه أثناء الليل وننزل لنبحث عنه ولكن لا نجد شيئاً كأن النباح فقط في دماغنا .. وبدأت رائحة كريهة تنتشر في أرجاء المنزل حتّى أن البقاء في المنزل أصبح شبه مستحيلاً والبحث عن المصدر دام ست!ة أيّام بصورة مكثّفة .. وفي الأخير وجدنا جثّة الكلب في القبو مفتوحة البطن والأمعاء وعلى وجه الكلب أشد علامات الفزع والرهبة والرُعب .. كأنّه رأى شيئاً لا مثيل له .. العجيب أنّ لا أحد يقترب من القبو والكلب ليس لديه أي وسيلة وصول إلى القبو لأنّ بابه مغلق تماماً بسلاسل الحديد ..
ولم تقف تلك الحوادث أبداً .. وهكذا بدأت القطط الخاصّة بإبنتي الصغرى بأن يصيبها الصّرع .. ولونها يميل إلى الأزرق فالبنّي فالأسود بعدما كانت القطط بيضاء تماماً .. وأصبحت تهاجمنا بلا سبب وبشكل مريب وتهاجم بعضها ونفسها! واصواتها ليلاً لم يكن لها مثيل وكأنّ الجانّ يتلبسها ليلاً .. ثم وبعد ذلك وجدنا القطط منتحرة أو مقتولة وأمعائها خارج بطنها كالكلب تماماً في الحديقة ولحقنا بها قبل أن تنتشر الرائحة في المنزل ..
قرّرت أنا وزوجتي عرض المنزل للبيع ولكن أحداً لم يتقدّم لشرائه وذلك يعود لسمعته السيّئة والمخيفة .. ولأسباب إقتصادية ومرضية عاجلة أموالنا تنقص ولا يمكننا الإتيان حتّى بشقّة وكل ما نستطيع فعله هو العيش كما نحن والمكوث في المنزل وأن نصبر فقط ..
بعد فشل فكرة بيع المنزل تحدثت مع رجل عرفت عنه العلم .. وقال أنّه سيدخل المنزل ليعرف ما الذي يحدث فيه .. وكان يصعد إلى الغرف ليرى ما يختبئ من أعمال سحر وتعاويذ وطلاسم مخفية لتجذب أذى الجان إلى المنزل ولكنّه لم يجد أيّ شئ يفيده ولا سوائل غريبة تجذب الأرواح ولا خامات أرضيّة تجذب السلبيات للنفوس ولا أي شئ يعرفها هو عن الحالات المشابهة كان يدخل الحمّاات وغرف النوم والقبو والمطبخ ويجلس في كل غرفة من نصف ساعة إلى ثلاث ساعات وحده .. ولكنّه لم يستسلم وكان يريد أن يكون منزلنا كتدريب له على مجال عمله كمعالج للأمراض والحوادث التي تستعصي على العلم .. وجدناه في اليوم الثالث متّكئاً على الأريكة في غرفتي فاتحاً فمه بأقصى حد صريعاً متخشّباً ويخرج من فمه وأنفه وعيونه وأذنه وصرته النغف الأسود .. كيف مات ومتى ولماذا بهذا المنظر الغامض .. لا نعلم .. ومن تلك النقطة بدأت الشرطة بالتدخّل في الأمر .. يعلمون أن لا إنسان يستطيع فعل هذا به .. إستعانت الشرطة بخمسة من أفضل الأطبّاء الشرعيين لفحص جثته وتبيّن لهم أنّه مات من صدمة عبية شديدة إستمرت ثلاث دقائق ويتضح من المخ أنّه حاول مقاومة شيء ما عصبياً وفي النهاية جلطة في الدم كلّه وتعسّف للأعصاب التي تخشّبت كلها وفي النهاية سكتة قلبية فجائيّة .. وهذا هو أمر لا يحدث أبداً .. إلا في حالات من مات من الخوف والمفاجئة لدرجة أرهب من أن يفسرها الطبّ أو يحاول شرحها وتوضيحها .. ويقف عندها كل تفسير .. وأيضاً حشرات النغف تلك ليس من المفترض أن تخرج منه هكذا وليس هناك مبايض لها أو بيوت لها في جسده وإنّها أتت من العدم ..
كنا نتمنى لو تتوقف تلك الحوادث ولو لأسبوع واحد .. ولو لليلة واحدة .. الأنوار تفتح وتغلق لوحدها والأثاث يغير مكانه من تلقاء نفسه ..
القبو يعج بصراخ رهيب .. ومن يضع أذنه على وسادته يسمع الارض والجدران تتكلم .. النيران تأتي فجأة بدون مصدر .. تحرق ما تحرق .. أجساد تلامس أجسادنا وتضاجعنا بينما نحن نائمين .. أصوات تكلمنا .. كوابيس جميعها تتحقّق ..
لم أعد قادراً على تحميل المزيد من الأعباء على عائلتي .. فشحنتهم إلى بيت أمّي وبقيت أنا وحدي في المنزل .. لأرى ماذا سيصنع هذا اللعين ..
ولكنني كنت مرعوباً مما سيصنع بي هذا البيت وتلك الأرواح الشريرة فيه فذهبت إلى النوم ولأني لا أستطيع النوم في وجود النور أغلقت كل الأنوار .. وإستيقظت بعد ساعة على صوت إبنتي بالأسفل تبكي .. فنزلت إليها وأصبحت أكلمها من وراء البوابة وأقول لها ما بك يا مريم .. لماذا أنت هنا بينما قد ذهبت إلى جدتك منذ ساعات .. ما الذي أحضرك .. خوفاً من أن يكون هذا الشيء ليس إبنتي .. فقالت لماذا لا ترد علي وتفتح الباب يا أبي .. ففتحت الباب ورأيتها بملابس البيت تحتضنني بحرارة وتقول لقد باغتني كابوس مخيف رأيت هذا البيت يبتلعك فيه ، لم أستطع مقاومة حبي لك .. أنا الصغيرة ولكنني ن أتركك يا أبي .. سأكون أشجع من أختي الكبيرة ومن أمّي .. فأدخلتها وصنعت أنا وهي مواضيع كثيرة نتحدث فيها ونسينا كل ما قد يخيفنا من هذا البيت ثم صنعنا الكعك والفطائر وأكلنا وتسامرنا مجدداً وقبلتها وصعدت بها إلى غرفتها وقلت لها أني لن أتركها حتى تنام تماماً وسأوقظها بعد وقت قصير كي نذهب ونحضر أمها وأختها وإلى هنا لنكمل في هذا البيت حياتنا كما كانت بلا خوف من أي شيء .. قلت لها هذا الكلام وأنا أعنيه فطفلتي قد أعطتني الكثير من الشجاعة ..
وكنت بجانبها أمسح على رأسها وأقبلها من يديها ورأسها .. ثم نزلت إلى الأسفل كي أجيب على الهاتف .. وكان الإتصال من زوجتي ..
- هل وصلت لك مريم بعد؟
- نعم لقد وصلت .. إبقي عندك وإستعدي سوف أحضركن إلى هنا ..
- متى؟
- لا أعلم ربما ثلاث أو أربعة ساعات حتى تأخذ مريم قسطاً من الراحة.
- هل كانت تركض في الطريق؟
- لا يتعلق الأمر بهذا فهي الآن نائمة..
- نائمة!؟..
- نعم .. لم تُكمل النصف ساعة على الفراش ..
- ماجد؟
- نعم يا رقيّة؟
- متى وصلت لك مريم؟
- منذ حوالي 4 ساعات أو أكثر بقليل ..
- .. .. ماجد ، إهرب من عندك فوراً ..
- لماذا؟ ما الخطب ..
- قلت لك إترك الهاتف وأخرج من المنزل فوراً حالاً تواً ..
- لا أفهم شيئاً .. لماذا تقولين هذا يا رقيّة؟
- لم يمر حتّى نصف ساعة على مغادرة مريم للبيت ..
- .. ...
- من لديك ليست مريم أبداً .. أهرب ..
- .. .. الويلُ لي ..
قلبي يخفق بشدّة .. بينما أنا أستمع لصوت أقدام تنزل على درجات السلالم .. تقترب وتتسارع حتى كدت أرى من ينزل .. تركت سماعة الهاتف ورميته على الأرض وهرولت وركضت مُسرعاً من الباب ثم إلى البوابة وأغلقتها بإحكام ..
وأصبحت على الجانب الآخر من الطريق .. أنظر إلى كل نوافذ البيت تُفتح أنوارها وتُغلق من تلقاء نفسها وأصوات العائلة! صوتي وصوت زوجتي وبناتي وخيالاتنا تتحرك في الداخل .. وصوت الكلب ينبح بسعادة والقطط تموء بمحبّة وكأننا بالداخل جميعنا وكل شيء يسير بشكلٍ يسير .. هذا المنزل بما فيه من لعنة يريد أن يستقطب عواطفني ناحية العائلة .. يريدني أن أدخل وأعود .. وتركت كل الإغواءات وأصبحت وبكل تركيز أنظر حولي ، حتى رأيت مريم تقترب من بعيد فمنعتها من الدخول وأخذتها وإبتعدنا عن المنزل .. وننظر له بينما نبتعد .. ولم يدخل أحدنا المنزل مرة أخرى ولم نحاول حتى الإقتراب منه أبداً .. أبداً ..
النهاية.