السبت، 18 نوفمبر 2017

استهتار(2)

إســـتــهـــتـــار (2)

دخل الشباب الأربعة إلى القصر المظلم تماما من الداخل ، أشهر كل منهم بطاريته ليضىء مساحة من الظلمة لا تتعدى المتر أمامه ، لكن ذلك الضوء لم يكن كافيا ليبدد باقي مساحة الظلمة التي غطت المكان تماما , عندما خطا الشباب الأربعة إلى داخل المكان ، أغلق الحارس الباب عليهم ، حتى لا يتعرض للمساءلة القانونية إذا ما حضر أحد أفراد الحراسة الأكبر منه رتبة .
استدار الشباب إليه ، لكن الظلام ابتلع المكان تماما .
أخذوا يتهامسون فيما بينهم عن أفضل مكان يذهبون إليه في القصر ليشاهدوا الشبح الذي سمعوا عنه ، قرروا النزول إلى بدروم القصر ، لكنهم لم يعرفوا مكانه في الظلام ، ولم تسنح لهم الفرصة لسؤال الحارس عن إتجاه البدروم ليتوجهوا إليه ، فقرروا أن يتمشوا قليلا في المكان لعلهم يجدون شيئا يستحق المغامرة والتعب .
كان المكان فارغا من كل شيء ، أخذوا يتجولون في حجرات الدور الأرضي دون أن يلاحظوا أي شيء يذكر ، وقاموا بتصوير بعض اللقطات والأفلام القصيرة للمكان ، وبعد فترة من الوقت بدت لهم قصيرة ، يمعوا أصواتا تأتي من إحدى الحجرات التي تبعد عنهم قليلا ، قرروا على الفور التوجه إليها ، وفي منتصف الطريق إلى هناك ، فتح باب القصر فجأة وقرر الحارس أن الوقت قد حان لهم كي يرحلوا ، لأن موعد تغيير نوبة الحراس قد اقترب ، ولن يكون هناك فرصة لهم للخروج من هذا المكان إذا تأخروا أكثر من هذا .
حاول هاني أن يقول شيئا لكن الحارس قال له :
" يمكنكم أن تحضروا في الغد مبكرا بعض الشيء عن هذا الموعد ، وسوف نسمح لكم بالدخول إلى هنا لتقضوا الوقت الذي تريدونه " .
كان الجميع بالطبع يعرف أن هذا الكلام ليس صحيحا وأنهم باغتوا الحارسين الليلة ، لهذا رضخا لهم وسمحا لهم بالدخول ، لكن في الغد بالتأكيد لن يسمحا لهم بذلك ، وربما سيكونان مسلحين ولن يستطيعوا مجرد الاقتراب من المكان .
" وهكذا باءت المغامرة بالفشل مرة أخرى ! "
هكذا قال أحد الشباب الذين لم يذهبوا معهم ساخرا من الجميع ، بعد أن شاهدوا الصور والأفلام القصيرة التي لم تبين أي شيء .
نظر إليه هاني بغضب وقال :
" ولكني لن أيأس أبدا ، سوف أذهب إلى أي مكان أعرف أن به أشباحا لأراها وأعرف ما يدور في فكرها " .
قال أحد الأصدقاء :
" هاني دعك من هذا الكلام الفراغ ، هيا لنذهب إلى أحد شواطىء الساحل الشمالي لنقضي بعض الوقت هناك فالبحر في الشتاء يكون اجمل ما يكون " .
قال هاني :
" نعم سوف آخذ إجازة من عملي لبعض الوقت ونذهب إلى هناك " .
ثم التفت إلى أصدقائه قائلا :
" من منكم يريد الذهاب معنا ؟ "
اتفق صديق ثالث لهم على الذهاب إلى هناك .
عند وصولهم إلى القرية التي اعتادوا أن يقضوا فيها وقتا رائعا في الصيف ، تعجبوا لخلوها من البشر وكأنها مهجورة تماما على الرغم من أنها لا تكون مهجورة هكذا في أي وقت من العام .
عند وصولهم إلى الشاطيء ، كان الشاطيء خاليا تماما من الجميع ، نظر إليهم حارس الشاطيء الذي يعرفهم جيدا بدهشة ، عندما وجدهم يجلسون على الشاطيء وإلى جوارهم زجاجة خمر من نوع غالي الثمن .
لكنه لم يتحدث معهم أبدا .
بعد فترة من الوقت ، نظر هاني فوجد سيدة ترتدي ملابس سوداء تمشي فوق الرمال ، نظرت إليهم وهم يشربون بعض كئوس الخمر وابتسمت لهم ثم أكملت طريقها . بعد عدة دقائق وجدوا المرأة في عرض البحر وهى تستغيث بهم أن ينقذوها من الغرق ، قام الثلاثة إلى الماء لكن الخمر كانت قد لعبت برؤوسهم فخافوا النزول إليها حتى لا يتعرضوا للغرق ، لكن هاني قرر النزول إليها فورا ، حاول هاني أن يستعيد تركيزه لكنه كان يشعر بالدوار من أثر الخمر والبرد ، أخذ يقترب منها سابحا ، لكنه لاحظ أنه كلما اقترب منها ، كانت تبتعد عنه عميقا إلى داخل البحر ، حتى شعر بأنه يكاد يغرق على الرغم من إجادته التامة للسباحة ! بعد فترة من السباحة باتجاهها ، قرر هاني العودة إلى الشاطيء ؛ لأنه قد فشل في الوصول إليها ، وعندما استدار نحو الشاطيء سمع صوتها يخفت شيئا فشيئا وشعر كأن الماء يغمره وكأنه يغرق ، لكنه أخذ يقاوم بشدة حتى وصل إلى الشاطيء بمعجزة .
وعلى الشاطيء أخذ يحفف ملابسه وهو يجري مع أصدقائه إلى حارس الشاطيء لإبلاغه بما حدث ، وعندما وصلوا إليه قال هاني :
" هناك امرأة تغرق في البحر بالداخل " .
نظر الحارس إلى شخص آخر كان يسير معه بالخارج ثم نظر إليه وقال لهم :
" امرأة ترتدي ملابس سوداء ؟ "
رد أحد الأصدقاء صارخا :
" نعم .. نعم امرأة ترتدي ملابس سوداء إنها تغرق في البحر أرجوك ساعدها " .
نظر الحارس إليه بخوف وقال له :
" إنها ليست إمرأة .. إنها شبح إمرأة غرقت هنا منذ خمس سنوات ، يعود شبحها للظهور في الشهر الذي تغرق فيه كل عام ، ولهذا تجد القرية السياحية مهجورة تقريبا في هذا الشهر من كل عام .. كنت أعتقد أنكم تعرفون هذا ولذلك لم أحذركم منها ، لقد تسببت في غرق الكثير من الشباب الذين ذهبوا وراءها لإنقاذها " .
نظر هاني إلى صديقيه .. وبلا كلمة واحدة ، خرجوا جميعا إلى خارج القرية السياحية ليستقلوا السيارة ويعودوا بها مباشرة إلى القاهرة .
في المنزل جلس الجميع يستمعون للحكاية الغريبة المرعبة التي حكاها ثلاثتهم .
قال هاني بعد أن إنتهى من حكايته :
" هذه المرة لم نستطع أن نرى من منا أقوى من الآخر ؛ لأننا لم نعرف أنها شبح إلا بعد أن اختفت من أمام عيوننا ، أنا أريد أن أرى شبحا أعرف أنه شبح لنقارن قوتنا سويا " .
قال صديق :
" عند منزل والدي عمارة تحت الإنشاء ، يقولون بها شبحا لرجل قتل في تلك المنطقة من عدة سنوات ، يظهر في الليل أحيانا حتى إن حارس العقار لا يبيت فيه ، بل يبيت في الجهة المقابلة لها ، إذا أردت فعلا أن تذهب إلى هناك فأنا على استعداد أن أذهب معك " .
قال هاني :
" نعم لنذهب إلى هناك إذن غدا ونرى الشبح الذي نحكي عنه " .
في الليلة التالية ، استعد هاني وصديقه بنفس البطاريات السابقة والهواتف الجواله لتصوير أي شيء غير طبيعي في المنطقة ، وذهبا إلى هناك .. كانت ليلة مظلمة تماما ، وصلا إلى العمارة التي حكى له عنها صديقه ، كانت عمارة تحت الإنشاء ، بها نحو عشرة أدوار مبنية ، كل دور به أربع شقق .. ولا يوجد لها سلالم ولا أبواب .. دارا حول العمارة ليبحثا عن الحارس ، فوجداه يجلس في الجهة المقابلة للعمارة يحتسي الشاي ، دخلا إلى العمارة من الجهة البعيدة عن مرمى بصر الحارس .
ابتلعهما الظلام التام بالداخل ، فأنارا بطاريتيهما وأخذا يتجولان في المكان ، بحثا عن أي شيء غير طبيعي ، لكنهما لم يجدا شيئا .. بعد عدة دورات في الشقة الأولى ، ذهبا إلى الشقة الثانية ثم الثالثة ثم الشقة الأخيرة سمعا أصواتا تبدو كأنها أصوات همهمة منخفضة ، وكأن هناك من ينادي باسميهما بصوت خافت .. فزعا والتصقا ببعضها بعضا وفتح هاني جواله ليلتقط بعض الصور للمكان الذي جاء منه الصوت ، بعد عدة دورات أخرى في المكان وبعض الصور ، خرج الصديقان بسرعة بعد أن زاد الصوت ارتفاعا حتى بدا وكأن هناك من يقترب منهما وينادي باسميهما .
عاد الصديقان وهما في غاية السعادة ليحكيا لباقي الأصحاب في جلستهما اليومية ما حدث .. باستهتار شديد قال هاني :
" اعتقدت أن هذا الشبح سوف يقتلنا لكننا كنا أسرع منه وخرجنا إلى الشارع قبل أن يتمكن من اللحاق بنا " .
قال الصديق الآخر :
" كنت خائفا جدا .. تصورت أن نهايتي ستكون هناك ، أنا لن أكرر تلك التجربة أبدا " .
قال هاني :
لكني لم أكن خائفا ، أنا لا أخاف من شيء .. وسأكرر ذلك حتى أرى شبح وجها لوجه ونرى من من أقوى من الآخر " .
وأخذ الأصدقاء في الضحك على كلمات هاني .
قام هاني بعرض الصور التي صورها على جواله للمكان ، فلم يظهر منها إلا الظلام وبعض الإضاء الخفيفة التي تبدو وكأنها مصابيح باهتة آتية من مكان بعيد .
نظر هاني إلى الصور بإحباط شديد وقال :
" لن أتراجع عن تصوير الأشباح .. سأذهب وراء الأشباح حتى آخر العالم لنرى من منا أقوى " .
قال أحد الأصدقاء :
" سمعت أن من يخلع ملابسه تمام في الظلام أمام المرآة ، فإنه يرى الأشباح ، خاصة لو قام بتصوير نفسه في المرآة عندها " .
قال هاني :
" هكذا الكلام إذن هيا لنجرب ذلك " .
أخذ هاني جواله وخلع ملابسه أمام المرآة ، بعد أن أطفأ الأنوار تماما ، وقام بتصوير نفسه عدة صور بعد أن نظر إلى نفسه جيدا في المرآة ، ليجد أمامه صوره لنفسه كهيئة شبح أبيض الشعر ذي ملامح مسنة وكأنه ينظر إلى نفسه بعد عشرات السنين .
خرج إليهم بعد أن ارتدى جزءا من ملابسه ليريهم الصور التي التقطها ، أخذ الجميع يضحكون على شكله فيها الذي كان يشبه شخصية خارجة لتوها من فيلم رعب رخيص .
في تلك الليلة دخل هاني وصديقه إلى الحجرة للنوم ، لكنهما فوجئا بدقات شديدة على زجاج النافذة المجاورة لفراش هاني من الخارج ، فزع هاني بشدة وقام إلى النافذة التي تقع في الدور الخامس ، ومن المستحيل أن يكون بالخارج شخص يدق عليها ! قام إليها ليغلقها بإحكام وينظر ما سبب الدقات العالية ، لكن بمجرد أن أقترب من النافذة انتقلت الدقات إلى النافذة المجاورة لها بسرعة مرعبة ، فذهب الصديق إليها لإغلاقها بإحكام أيضا ، لكن الدقات انتقلت إلى النافذة الثالثة بسرعة غريبة .
قام هاني وصديقه بإحكام غلق جميع النوافذ بسرعة ، لكن الدقات لم تنقطع عنها طوال الليل ، في تلك الليلة لم ينم هاني وصديقه أبدا حتى الصباح .
في الصباح ، خرج الصديق إلى العمل بينما توجه هاني إلى الحمام ليستحم عله يفيق ويتمكن من النزول إلى عمله ، بعد أن انتهى من الاستحمام ، أخذ ملابسه النظيفة ليرتديها ، وبعد أن ارتدى بعض ملابسه ، حاول فتح باب الحمام لكنه كان مغلقا من الخارج بشدة ، حتى إنه يستطع أن يفتحه ولو بعض سنتيمترات ، أصيب بالرعب لمعرفته أن الشقة لا يوجد فيها أي شخص غيره .
أخذ هاني يحاول فتح الباب ، لككنه لم يفلح ، فكر في خلع ملابسه مرة أخرى ليرى تأثير ذلك على الموقف ككل ، وفعلا عندما خلع ملابسه ، حاول فتح الباب ففتح بسهوله شديدة !
تعجب هاني من الموقف ، ماذا يعني هذا الموقف ؟ هل هناك أحد أصدقائه بالخارج يمارس معه دعابة مما ؟ خرج هاني من الحمام عاريا وهو يبحث في الشقة عن أي شخص قد يكون هو من أغلق عليه الباب ، لكنه وجد جميع النوافذ والأبواب مغلقة والشقة خاوية إلا منه .
دخل إلى غرفته وأخرج لنفسه ملابس أخرى ، لأنه خاف أن يدخل مرة أخرى إلى الحمام ليأتي بملابسه حتى لا يغلق عليه الباب مرة أخرى ، لكن ما إن ارتدى ملابسه حتى فوجىء بباب الحجرة يغلق عليه بعنف ، فزع كثير من الموقف لكنه أسرع إلى الباب محاولا فتحه ففوجىء بأنه مغلق من الخارج ولم يستطع فتحه ، استمر الحال هكذا فترة من الوقت كأن هناك من يداعبه ، كلما خلع ملابسه وجد جميع الأبواب مفتوحة أمامه ، وكلما ارتدى ولو أي جزء من ملابسه أغلقت عليه الأبواب !
في النهاية قرر ألا يذهب إلى عمله في ذلك اليوم ، وأن يهاتفهم ليأخذ اليوم إجازة ، وقرر أن يكذب ويقول إنه مريض وسوف يذهب إلى إحدى المستشفيات للعلاج .
بعد أن أخذ اليوم إجازة فعلا ، دخل إلى الحمام مرة أخرى ليأخذ ملابسه من هناك حتى لا يصيبها البلل ، لكن ما إن خطا إلى الداخل حتى فوجىء بباب الحمام يغلق وراءه بعنف ، وسمع صوتا يقول له :
" لنرى الآن من منا أقوى من الآخر "
كانت تلك آخر كلمات أخذ هاني يرددها بعد ذلك لما تبقى من عمره الذي قضاه داخل إحدى مستشفيات العلاج النفسي ، بعد أن وجده بعض الجيران عاريا يجري هاربا من شقته إلى الشارع وهو يصرخ بأعلى صوته :
" لنرى الآن من منا أقوى من الآخر "
لم يستطع أي من أصدقائه تفسير ما حدث له لوالديه ، عندما عادا من الخارج ليجدا ولدهما الوحيد قد أصابه مس من الجنون فجأة ، فلم يكن أحد منهم على استعداد أن يحكي لهما عن رغبة هاني في أن يرى الأشباح ، وأن يعرف من منهما أقوى من الآخر .

تـــمــــت